ادم الغريب في بيته من حكايات صافي هاني
"يا خسارة التعب فيك، طالع خايب لأبوك!".. الجملة دي رمتها الأم وهي بتعدل الكرافتة لابنها الصغير "ياسين" اللي لسه مخلص بروفة الحفلة، وفي ركن الصالة كان "آدم" الأخ الكبير واقف ساند ضهره على الحيطة، عينه جاية في الأرض وهو شايل في إيده "كاس التفوق الرياضي" اللي لسه كسبانه.
آدم قرب بخوف: "ماما، أنا أخدت المركز الأول في البطولة.."
الأم من غير ما تبصله، وهي مشغولة بتسريح شعر ياسين: "ماشي يا آدم، حطه جنب أخواته على الرف، ابقى شيل جزمة أخوك من الصالة وأنت داخل عشان ميتكعبلش، مش ناقصين وجع دماغ".
آدم سكت، الكاس اللي كان بيلمع في إيده انطفى فجأة. دخل المطبخ لقى أبوه قاعد بيشرب شاي، حط الكاس قدامه وهو مستني "مبروك". الأب بص للكاس وبص لآدم وقال ببرود: "والرياضة دي هتأكلك عيش؟ خليك زي ياسين، مركز في دروسه وعارف مستقبله فين، مش زيك ضايع في الملاعب".
المشهد اتبدل بعد ساعتين.. ياسين وقع وهو بيلعب، البيت كله اتقلب. الأب شاله بجري والأم بتعيط كأن القيامة
آدم هنا صوته طلع لأول مرة، بس كان صوت مخنوق: "أنا اللي وقعته يا ماما؟ أنا حتى ملمستوش! بس يمكن وقع عشان إنتوا محملينه أكتر من طاقته، ومحمليني أنا 'ذنب' إني موجود أصلاً. ياسين لو عطس بتجيبوله دكتور، وأنا لما سخنت الأسبوع اللي فات قولتولي 'نام وهتبقى كويس'. ياسين لما جاب 90% عملتوله حفلة، وأنا لما طلعت الأول على المحافظة قولتولي 'شاطر.. شيل الجزمة من الأرض'".
الأب قام عشان يضربه، بس آدم مأتحركش، كمل وهو دموعه نازلة: "اضرب يا بابا.. الضرب أهون بكتير من نظرة 'الاستقلال' اللي بشوفها في عينكم كل يوم. إنتوا مش بتربوا إخوات، إنتوا بتربوا 'أعداء'. بكره لما نكبر وياسين يحتاجني مش هيلاقيني، مش لأني وحش، لأني هكون لسه بدور على 'آدم' اللي إنتوا دفنتوه وهو عايش عشان خاطر ياسين يعيش".
آدم ساب الكاس على السفرة وخرج، والبيت اللي كان مقلوب
بعد ما آدم خرج وقفل الباب وراه، الصمت اللي سكن البيت كان أرعب من أي زعيق. الأم بصت لياسين اللي كان بيعيط "دلع" وفجأة سكت لما شاف أخوه بيمشي، كأن السند اللي كان بيستقوى عليه هرب منه.
الأب قعد على الكرسي وهو بيفرك إيده بتوتر، عينه جت على "كاس التفوق" اللي آدم سابه على السفرة. مد إيده ومسحه من التراب، لقى محفور عليه: "إهداء إلى أبي وأمي.. لعلكم تفخرون بي يوماً".
في اللحظة دي، البيت كله حس بالبرد. الأم دخلت أوضة آدم تدور على أي حاجة تمسكها فيها، لقت درج المكتب مفتوح.. ومليان "جوابات" مبعتتش. جواب كاتب فيه: "يا رب بابا يشوفني وأنا بلعب النهاردة، أنا بقيت سريع أوي"، وجواب تاني فيه: "نفسي ماما تحضني زي ما حضنت ياسين لما نجح في الحساب، أنا كمان جبت الدرجة النهائية بس هي نسيت تسألني".
آدم مرجعش يومها، ولا
الأم جت تقرب منه وهي بتعيط: "وحشتنا يا آدم، البيت كان مظلم من غيرك".
آدم بص لها بابتسامة وجع مكسورة: "البيت كان مظلم وأنا جواه يا أمي، دلوقتي بس أنتوا اللي بدأتوا تشوفوا الضلمة. أنا مش جاي أعاتب، أنا جاي أقولكم إنكم نجحتوا.. ياسين طلع اللي أنتوا عاوزينه، وأنا طلعت اللي "أنا" عوزته، بس الفرق إن ياسين عنده أهل، وأنا عندي 'كؤوس' ونجاحات بس ملهاش طعم.. لأنها مروية بدموع طفل كان نفسه بس يحس إنه 'كفاية' في نظركم".
آدم ساب "هدية" الخطوبة لياسين ومشي قبل ما يشرب حتى كوباية مية. متمناش ليهم الشر، بس مكنش قادر يديهم "الخير" اللي هما محرموش نفسهم منه وبخلو عليه بيه.
التفرقة مش بتبعد المسافات بس، دي بتموت "الود" في العروق.. ولما الود بيموت، مفيش أي ندم في الدنيا بيقدر يرجعه