نبض من وسط المستحيل
نبض من وسط المستحيل
في لحظة الكل فيها كان رامي الفوطة، "مي" عملت اللي محدش يتخيله. زقت إيد الدكتور "مدحت" اللي كان لسه هينطق كلمة "البقاء لله"، وبحركة زي البرق، خطفت جسم الرضيع وحطته على ملاية متطبقة فوق "الترابيزة" اللي جنب السرير. الأوضة فجأة اتكتم فيها النفس، هدوء مرعب كأن الدنيا وقفت.
"إنتي اتجننتي يا ست إنتي؟! إنتي فاكرة نفسك بتعملي إيه؟!" دكتور مدحت برقت عينيه وهو بيقرب منها بجنون وعايز يشدها. بس مي مكنتش سامعة، ولا شايفة غير صدر الطفل اللي "مزرق" وساكن زي الحجر. الكل شايف موت، بس مي كانت شايفة "أمل" مستخبي تحت الرماد. هي ممعهاش شهادة طبية، بس معاها وجع قديم محفور في قلبها.. وجع أخوها اللي راح قدام عينيها عشان دكتور "بارد" قال مفيش فايدة.
بصوت زي الحديد، ومن غير ما تبصله، قالت: "عايزة فوطة ناشفة.. حالاً! ومحدش يلمسني!". الممرضات بدأوا يصرخوا: "أمن يا حضرة! طلعوا الست دي بره هتودينا في داهية!". وفجأة، صوت "حسن المنشاوي" هز الحيطان.. الراجل اللي القاهرة كلها
مي جابت قطع تلج، لفتها في حتة قماش وبدأت "تبرد" راس ورقبة البيبي بحساب.. كأنها بترسم لوحة. كانت بتكلم نفسها بوشوشة: "نقص أكسجين.. لازم نبرد المخ.. لازم نكسب ثواني". الدكتور مدحت سكت فجأة، وبدأ يراقبها بذهول. دي مش عاملة نظافة بتخرف، دي إيد بتتحرك "بصنعة" ودماغ فاهمة هي بتعمل إيه بالظبط.
قال بصوت واطي ومردد: "اللي بتعمليه ده بره كل القوانين والطب اللي اتعلمناه!". مي رفعت عينها له لأول مرة، وكانت نظرة تحرق: "وهو الطب بتاعكم بيقول نعلن الوفاة في 5 دقايق؟ الطب بتاعكم بيقول نستسلم والروح لسه فيها عفرة؟". الكلمة نزلت زي الكرباج على وش الكل. الدكتور المساعد بص في الأرض، والممرضة اللي كانت بتزعق سكتت تماماً.
بينما كانت "نادية" الأم مكنومة على السرير بتبكي من غير صوت، مي كانت في "حرب". بتدلك الصدر، بتفتح مجرى النفس بصباعها، وبتستعمل أدوات التعقيم بجرأة غريبة.. جرأة
الدكتور مدحت صرخ فجأة: "شغلوا أجهزة المراقبة تاني.. بسرعة!". الثواني كانت بتعدي كأنها سنين.. الكل باصص للشاشة السوداء.. "بيب.." صوت ضعيف جداً.. الكل افتكره تهيؤات. وبعدين.. "بيب.. بيب.." المساعد صرخ وهو مش مصدق: "النبض رجع! يا دكتور النبض بيزيد!". نادية صرخت صرخة فرحة هزت المكان، وحسن وقع على ركبته بيعيط زي العيل الصغير وهو بيشكر ربنا. الطفل بدأ يتحرك حركة بسيطة، وطلع منه "أنين" خافت.. كان بالنسبة لهم أحلى من أي مزيكا في الدنيا.
بعد ما حالة الطفل استقرت واتنقل العناية، الإدارة "الناشفة" كانت عايزة تحول مي للتحقيق بتهمة التدخل في عمل الأطباء. بس حسن المنشاوي وقف لهم زي الأسد: "اللي هيلمسها، كأنه لمسني أنا شخصياً! الست دي رجعت لي ابني من القبر وإنتو كنتو بتجهزوا الكفن!".
الليلة دي كانت "ليلة القدر" للمستشفى. حسن قلب الدنيا، وفتح تحقيقات كشفت بلاوي.. أجهزة بايظة، وإهمال كان هيضيع أرواح كتير. وسط الزيطة دي، مي كانت قاعدة في ركن لوحدها،
بعد تلات سنين، مكنتش مي "الشغالة" اللي بتدخل القسم. كانت داخلة بخطوة ثابتة، لابسة البالطو الأبيض، وعلى صدرها كارنيه "دكتورة: مي عبد الله". حسن المنشاوي وفى بوعده، وعمل منحة كبيرة للمتفوقين "المنسيين" في البيوت، ومي كانت أول واحدة.
وقفت قدام حضانة بيبي صغير، وسمعت صوت ضحكة وراها: "كنت عارفة إن المكان ده هو اللي هيليق عليكي يا دكتورة". لفت، لقت نادية ومعاها "آدم".. طفل زي الورد، وشه منور بالحياة. نادية قربت منها وبستها من راسها وقالت: "كل سنة وآدم بيكبر، هحكي له إن حياته بدأت من بين إيديكي.. وإنك كنتي المعجزة اللي ربنا بعتها لنا في الوقت الضايع".
مي لمست إيد آدم الصغيرة، وابتسمت وهي حاسة إن روح أخوها دلوقتي بس ارتاحت.. هي فعلاً وصلت في الوقت المناسب، وغيرت قدر طفل،
تمت.