ابني كلمني من حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ابني كلمني في يوم تلات كئيب كدة، وقالي بمنتهى البساطة: "يا ماما، إحنا خلاص نقلنا الغردقة، ونسينا نقولك."
​مش الشهر الجاي، ولا الموسم الجاي.. لا، "خلاص" نقلوا.
​كنت سامعة وراه صوت لزق الكراتين، وصوت صناديق بتتسحل على الأرض، والصدى اللي بيبقى في الأوض الفاضية اللي اتكنست خلاص.
​قلتله: "تمام يا حبيبي، ربنا يوفقكم."
​وقلفت السكة.
​أنا اسمي (ليلى)، عندي تمانية وستين سنة، أرملة، وكبيرة كفاية إني أفهم لؤم البشر لما يحاولوا يخلوا قلة الأصل تبان كأنها حاجة عادية.. (شريف) مكانش بيتصل يحكي لي خبر، ده اتصل بعد ما العربية اتحملت، والعيال مشيت، والقرار اتنفذ من ورا ضهري.
​قبل المكالمة دي بساعة، كنت قاعدة في البلكونة ومعايا كوباية القهوة، وبفكر أعمل "مسقعة" بالبشاميل في الويك إيند عشان (منة) مراته بتحبها.. كنت خلاص تخيلت (ياسين) وهو بيطلب عيش زيادة، و(ليان) وهي بتطبع صوابعها الصغيرة على إزاز السفرة عندي.
​دي كانت أول غزة في قلبي.. خدوا أحفادي على بعد مئات الكيلومترات من غير حتى "باي باي"، وابني بلغني الخبر وكأنه بيلغي عزومة غدا.
​لما سألته هما العيال تعبانين؟ نفخ بضيق وكأني أنا اللي بصعب الأمور.
​قالي: "كنا مشغولين يا ماما، (منة) اتنقلت شغلها هناك، وكان لازم نشوف المدارس، وعربية العفش، وكل حاجة حصلت بسرعة.. بجد نسينا."
​نسوا!
​وفجأة صوت (منة) طلع في الخلفية: "يا (شريف) ماتطولش معاها، دلوقتى هتبدأ نغمة تأنيب الضمير والدراما بتاعتها."
​الجملة دي قالتلي أكتر بكتير من خبر النقل نفسه.
​لأن مفيش بني آدم "بينسى" حاجة بالحجم ده.. هما خبوا، رتبوا كلامهم، وقرروا

إني ماستحقش أعرف الحقيقة كاملة، استحق بس النسخة السهلة اللي تريحهم هما.
​والأبشع من كدة، إنهم بقالهم شهور بييجوا بيتي، وبياكلوا من أكلي، وبيخلوني أدس فلوس في جيب العيال، وبيدفعوا مصاريف المدارس من جيبي لما الدنيا تزنق معاهم.. وسايبيني مصدقة إن غدا يوم الأحد ده معناه إن ليا مكان في خططهم.
​من كام سنة، لما (منة) سابت شغلها، دفعت لهم إيجار شقتهم شهور وقولت دي "هدية" عشان ماحرجهمش.. ولما العيال كانوا بيحتاجوا لبس مدرسة، كنت بعرف وبجيب من قبل ما حد يطلب.
​عمري ما منيت عليهم ولا اتكلمت.
​إنتي ممكن تعرفي الست شالت قد إيه، من كمية الحاجات اللي الناس بطلت تلاحظ إنها بتعملها أصلاً.
​عشان كدة صوت (شريف) كان تقيل على ودني.. مكنش عالي ولا زعاق، كان بارد، ممسوح، ومترتب.. كأنه هو ومراته بروفوا المكالمة دي وقرروا إن دوري أنا إني أسكت وأقبل.
​يمكن افتكروا إني هعيط في كوباية القهوة واستنى "مكالمة فيديو" منهم.
​يمكن افتكروا إن تمانية وستين سنة حولوني لقطعة عفش مركونة.
​اللي ابني نسيه، إني ماقضيتش عمري بس في المطبخ وأعياد الميلاد.. جوزي الله يرحمه (عادل) كان هو الواجهة بتاعة شغلنا، وصوته هو اللي عالي، بس أنا اللي كنت ورا الأرقام.
​أنا اللي كنت بتابع الاستثمارات، بقرا العقود، وعارفة كل مليم مكتوب باسم مين.. كنت عارفة إيه اللي اتعطى بحب، وإيه اللي سيبته بالكلمة لأني وثقت في "العيلة" أكتر من "الورق".
​وده كان غلطي الوحيد.
​قبل المكالمة دي بست شهور، (شريف) طلب مني جزء من ورثه "تحت الحساب" عشان "يشوف عقارات" في الغردقة.. قلتله لأ.. اتضايق يومين ورجع يتدلع تاني يوم
الحد.
​وقتها قولت لنفسي خلاص شال الموضوع من دماغه.
​وأنا واقفة في البلكونة والموبايل في إيدي، عرفت إنه مش شاله من دماغه، هو بس لف من ورايا.
​فضلت قاعدة في السكوت لحد ما القهوة بردت.. قمت دخلت مكتب (عادل) القديم، الأوضة اللي فيها المكتب الخشب والأباجورة الخضراء وكتب القانون اللي محدش بيلمسها غيري.
​فتحت الدرج.
​طلعت اللاب توب بتاعي.
​وفجأة الموضوع مابقاش "سوء تفاهم عائلي"، بقى "سلسلة قرارات متعمدة".
​كل يوم 5 في الشهر، كنت ببعت لـ (شريف) و(منة) مبلغ يغطي إيجار شقتهم ويساعد في مصاريف العيال.. من غير منظرة ولا خطب.. مجرد تحويل بيوصل لأني كنت عاوزة حياتهم تكون أسهل من حياتي زمان.
​بس الحب ممكن يكون "ناعم"، لكن حسابات البنوك "ناشفة".
​الشقة اللي سابوها دي مكنتش مجرد إيجار باسم (شريف)، الشقة دي تابعة لشركة العيلة، وأنا رئيسة مجلس إدارة الشركة دي.. إنهم يسيبوها من غير علمي، ويسبوها مكركبة، ويختفوا وهما مستنيين المعونة تفضل شغالة، دي مش قلة ذوق بس.. دي مشكلة قانونية وليها ورق.
​والورق ذاكرته أقوى من البشر.
​كل ما أفكر، أحس إن التوقيت غريب.. المكالمة الباردة، طلب الورث من شهور، الشقة اللي (منة) لقيتها فجأة هناك.. المكعبات كلها ركبت في مكانها.
​مبقتش حزينة.. بقيت "واعية".
​فتحت إيميل جديد وكتبت للمحامي بتاعي، (متر نبيل).
​إيدي كانت ثابتة، مكنتش بتعاش ولا بزعق.. أنا بس قررت أبطل أكون "مسرفة" في طيبيتي.
​كتبتله:
​"سيادة المستشار (نبيل)،
يرجى إيقاف التحويل الشهري التلقائي لـ (شريف) فوراً.. وإلغاء كروت الائتمان الإضافية الخاصة به وبزوجته.
كما أرجو البدء
في إجراءات استرداد الشقة التي غادروها دون إخطار.. مرفق لكم المستندات اللازمة.
تحياتي، ليلى."
​أرفقت آخر كشف تحويل.
​أرفقت ورق الشقة.
​وعلى مستند الدفع، علمت باللون الأحمر العريض على كلمتين:
​"الدفعة الأخيرة".
​قريت الإيميل مرتين.
​بره الشباك، الشمس كانت بتودع اليوم.. وفي مكان ما في الغردقة، ابني غالباً واقف في شقته الجديدة وباني آماله إن "السيستم" القديم هيفضل شغال لأنه دايماً كان شغال.
​ده أكتر حاجة عرفتني هما قد إيه مش فاهميني.
​هما افتكروا إني اتوجعت.
وفعلاً أنا اتوجعت.
​بس افتكروا إن الوجع معناه "قلة حيلة".
وده اللي مكنش صح.
​دوست "إرسال" (Send).
​تاني يوم كان يوم 5 في الشهر.
​ولما (شريف) يفتح تطبيق البنك بتاعه هناك، عاوزه يفهم بالظبط إيه هو الشيء اللي غلط وافتكره "ضعف".

فضلت قاعدة في المكتب، الضلمة سحبت الرجل من حواليا وأنا لسه باصة للشاشة. فجأة، الموبايل نور.. كانت رسالة من (شريف) بعتها الساعة 12 ودقيقة بالليل، يعني أول ما يوم 5 بدأ: "تسلمي يا ست الكل، التحويل لسه مظهرش، يمكن البنك مهنج؟ ابقي طمنينا."
​مردتش. نمت ليلتها نوم عميق، نوم حد شال شيلة تقيلة كانت قاطمة ضهره وسابها في نص الطريق.
​الساعة 9 الصبح، الموبايل مابطلش رن. (شريف).. (منة).. أرقام غريبة.. نفضت لكل ده وقمت عملت لنفسي فطار ملكي، بيض بالبسطرمة وجبنة كيري وشاي بلبن، وقعدت في البلكونة أشم هوا.
​على الساعة 10، الموبايل رن برقم (متر نبيل). رديت.
"صباح الخير يا ست ليلى. أنا نفذت كل اللي طلبتيه، وعاوز أبلغك إن (شريف) بيه اتصل بيا من شوية وكان صوته عالي جداً، وبيقول إن فيه سوء

تفاهم وغلط في الحسابات."
​قلتله بمنتهى الهدوء: "مفيش غلط يا متر.

تم نسخ الرابط