ابني كلمني من حكايات صافي هاني
قوله إن الحسابات اتقفلت لعدم وجود رصيد من الثقة. وبلغ الشركة اللي ماسكة أمن العمارة إن الشقة لازم تتشمع بالشمع الأحمر لحد ما لجنة المعاينة تروح."
قفل المتر، وبعدها بدقيقة الموبايل رن.. (شريف). المرة دي رديت.
"أيوة يا شريف."
جالي صوته ملهوف ووراها صوت دوشة: "ماما! إيه اللي بيحصل؟ الفيزا بتاعة (منة) اترفضت في السوبر ماركت واحنا بنشتري طلبات البيت الجديد، والبنك بيقول إن التحويل الشهري اتلغى! إيه اللي حصل؟ إنتي تعبانة؟ حد ضحك عليكي؟"
قلتله: "لا يا حبيبي، أنا واعية جداً. مش إنت قولت إنك نسيت تبلغني بنقلك؟ أنا كمان نسيت أبلغك إني قفلت الحنفية. أصلها حصلت بسرعة كدة.. زي ما حصل معاكم بالظبط."
سكت ثانية، وبعدين صوته اتغير، مابقاش الابن الحنين، بقى الشخص اللي كنت خايفة أشوفه: "يعني إيه؟ إنتي عاوزة تخربي بيتنا؟ إحنا لسه بنبدأ في مكان جديد، وإيجار الشقة هنا غالي، ومصاريف المدارس الانترناشونال اللي قدمنا للعيال فيها محتاجة الدفعة الأولى بكرة! إنتي بتلوي دراعنا عشان مشينا؟"
"أنا مابلوش دراع حد يا شريف،" قولتله ببرود، "أنا بس شيلت إيدي من جيبك. مش إنت بقيت راجل وعندك عيلة وقررت تاخد قرارات مصيرية لوحدك؟ يبقى تشيل شيلتك لوحدك. أما بخصوص المدارس الغالية، فمتهيألي اللي معاهوش مليلزموش، ولا إيه؟"
سمعت صوت (منة) بتصرخ في الخلفية: "خدي يا طنط! إنتي كدة بتضيعي مستقبل عيال ابنك! يرضيكي ياسين وليان يقعدوا في البيت؟"
رديت عليها: "ياسين وليان وحشوني فعلاً، بس بما إنكم نسيتوا تخلوني
شريف زعق: "ماما! لو الفلوس دي منزلتش النهاردة، أنا مش هعرف أسدد قسط عربية الشغل، والعربية هتتسحب!"
ضحكت ضحكة خفيفة: "يا خبر.. طب ما تبيع العقارات اللي كنت رايح تشتريها في الغردقة بفلوس ورثي؟ مش كنت بتقول إنك معاك قرشين وناوي تستثمر؟"
اتخنق صوته: "أنا مكنش معايا حاجة.. أنا كنت معتمد عليكي."
"وده كان غلطك،" قولتله وأنا بقوم ألم طبق الفطار، "وغلطي أنا إني عودتك إنك تسرقني وإنت بتضحك في وشي. الشقة اللي في القاهرة، المحامي هيروح يستلمها، ولو فيها مسمار ناقص هخصمه من نصيبك في الورث 'مستقبلاً'.. ده لو فضل نصيب."
"إنتي بتتبري مني؟" قالها بذهول.
قلتله: "أنا بشتري نفسي يا شريف. اللي ينسى أمه في الزحمة، أمه تفتكر نفسها في الراحة. سلملي على العيال.. لما يكبروا ويبدأوا ينسوك، ابقى افتكر اليوم ده."
قفلت السكة قبل ما أسمع رده. قعدت على الكرسي الهزاز وبدأت أهز رجلي. لأول مرة من سنين، حسيت إن البيت مش فاضي، حسيت إنه مليان بيا أنا.
فتحت اللاب توب تاني، وحجزت تذكرة لرحلة نيلية في أسوان الأسبوع الجاي.. "في آي بي".
الفلوس اللي كانت بتروح لمدارس لغات وكوافيرات "منة"، دلوقتى هتروح لراحة بال "ليلى".
هما افتكروا إن العمر كسرني، ميعرفوش إن الشجر القديم جدوره في الأرض، ولو الفرع العاصي اتقطع.. الشجرة بتطرح من جديد، بس لنفسها وبس.
فات أسبوع على مكالمة الغردقة، والموبايل كان عامل زي "خلية نحل" مابتسكتش. (شريف) بعت لي رسايل استعطاف، وبعدها رسايل تهديد بإنهم مش هيخلوني أشوف العيال تاني، وبعدها رسايل من (منة) بتقول لي إن "البيت اللي أجروه طلع فيه مشاكل وإنهم مهددين بالطرد".
كنت بقرأ كل ده وأنا بلم شنطة السفر بتاعتي لرحلة أسوان. مفيش دمعة واحدة نزلت. بالعكس، كنت حاسة إني "خفيفة".
المحامي كلمني وقالي: "ست ليلى، شريف بيه راح الشقة اللي في القاهرة وكان عاوز يدخل ياخد حاجات، بس الأمن منعه بناءً على تعليماتنا. هو دلوقتى بيطالب بإننا نسلمه العفش والأجهزة."
قلت له بمنتهى الثبات: "العفش ده مالهوش فيه غير هدومه وهدوم عياله. الأجهزة والعفش التقيل كله شاريينه بفلوس الشركة ومسجل بواتيرها. خليه ياخد الهدوم بس، والباقي يتحرز عليه لحد ما نشوف التلفيات اللي سابوها في الشقة."
قفل المتر نبيل، وقمت وقفت قدام المراية. لبست نضارة الشمس، وحطيت "برفان" كان (عادل) الله يرحمه بيحبه. بصيت لنفسي وقلت: "إنتي لسه حلوة يا ليلى.. والحياة لسه فيها كتير."
في المطار، وأنا قاعدة في صالة الـ "VIP" مستنية طيارة أسوان، الموبايل رن برقم (شريف). رديت لآخر مرة.
"أيوة يا شريف، خير؟"
صوته كان متبهدل، مفيش فيه ذرة من القوة اللي كان بيكلمني بيها من أسبوع: "ماما.. إحنا قاعدين في فندق شعبي.. والفلوس اللي كانت معايا خلصت.. وصاحب الشقة هنا مش عاوز يدخلنا من غير مقدم وتأمين.. أنا بجد بتبهدل يا ماما، والعيال بيعيطوا."
قلت له: "يا حبيبي، إنت راجل.
قال بصوت واطي: "طب عشان خاطر عادل.. عشان خاطر بابا."
قلت له بحدة لأول مرة: "ماتنطقش اسم أبوك على لسانك. أبوك كان بيبني، وإنت جاي تهد وتسرق وتستغفل الست اللي شالته وشالتك. لو (عادل) كان عايش، كان هو اللي هيقفلك الحسابات دي بنفسه."
"يعني مفيش أمل؟" سأل بكسرة.
قلت له: "الأمل في الله يا ابني. روح اشتغل، ابدأ من الصفر زي ما إحنا بدأنا. ابني عيلتك بجد، مش بفلوس 'المعونة' اللي كنت بتخدعني عشان تاخدها. لما تعمل لنفسك كيان بجد، ابقى كلمني أبارك لك.. لكن طول ما إنت 'مستني التحويل'، فإنت بالنسبة لي غريب."
قفلت السكة، وعملت له "بلوك" (Block).
سمعت صوت المذيعة بتعلن عن رحلة أسوان. قمت مشيت بخطوات واثقة، شايلة شنطة صغيرة فيها كل اللي محتاجاه.
لما ركبت الطيارة، وبدأت تطلع فوق السحاب، بصيت من الشباك وشفت الدنيا صغرت قوي تحتيا. فكرت في (شريف) و(منة) والعيال.. زعلت عليهم ثانية، بس فرحت لنفسي ساعات.
الأمومة مش معناها إنك تسيبي نفسك تتاكلي عشان ولادك يشبعوا "بجاحة". الأمومة احترام، والمدى اللي بيوصله الحب لازم يكون له حدود يحميها الورق والقانون لما القلوب تعمى.
فتحت كتاب كنت شارياه، وبدأت أقرأ أول صفحة وأنا ببتسم.
تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة على نيل أسوان، وأنا قاعدة على المركب، طلبت فنجان قهوة تاني.. بس المرة دي، شربته وهو سخن، ومعاه
تمت.