معاناة امل حكايات صافي هاني
أختك محتاجة الفلوس دي أكتر، بابا قال الكلمة دي وهو عينه في إزازة الحاجه الساقعة اللي قدامه، في الوقت اللي ماما كانت ضاغطة فيه بصباعين على معصم إيدي وكأنها هي اللي بتحاول تهدي الليلة. الفراخ المشوية في طبقي بردت تماماً، ومزيكا الجاز اللي طالعة من سماعة البلوتوث لسه شغالة. جنبي، خطيبي أحمد ساب الشوكة من إيده وفضل ساكت ومشدود جداً.
كان المفروض نكون بنرتب لفرحي. بابا عزمني أنا وأحمد عشان نراجع التفاصيل، وجيت وأنا فاكرة إن أخيراً هستخدم الوعد الوحيد اللي بابا وعدهولي من وأنا عندي 8 سنين. أنا أمل، عندي 27 سنة، ممرضة في القاهرة.
في عيلتي، العدل ده كان تمثيلية بيعملها أهلي قدام الناس بس. لكن في البيت، أختي الصغيرة سارة هي اللي ليها الدلع، وأنا اللي عليا الواجبات. لو عايزة موبايل جديد، الفلوس بتظهر فوراً. لو عملت حادثة بالعربية، بيلاقوا لها ألف عذر. أنا اللي كنت بخلي بالي من العيال، وبنظف، وبذاكر عشان أجيب أعلى الدرجات، وبسكت، وبسمع نفس الجملة كل ما الكفة تميل ناحيتها
أمل هتعرف تتصرف.
جمعية الجواز كانت الحاجة الوحيدة اللي كنت حاسة إنها ملكي. بابا قالي عليها أول مرة وإنا قاعدة معاه على طرابيزة المطبخ وبشرب كاكاو وبحل واجب الحساب. قالي إنه فتح لي حساب من يوم ما
عشان كده حفرت في الصخر طول فترة الدراسة وعمري ما سألت عن حاجة. كنت بشتري كتب مستعملة، وأخدت سلفيات، وكنت بشتغل ورديات زيادة في الصيدلية، في الوقت اللي بابا كان بيدفع فيه إيجار سكن سارة بعد ما غيرت كليتها للمرة التانية. ماما كانت بتوصفني ب المسؤولة بنفس الابتسامة الدافئة اللي بتوزعها على الناس اللي ناوية تسند عليهم. مكنتش فاهمة غير متأخر إن كلمة مسؤولة دي كانت مجرد كلمة شيك ل خدامة.
بعدين قابلت أحمد بعد وردية شغل خلت رجلي منملة ودماغي فاصلة. عزمني على قهوة، وسمعني بجد، ومحسسنيش أبداً إن تعبي ده تقيل عليه. لما خطبني على النيل، حسيت قلبي خفيف لأول مرة من سنين. ولما قولنا لأهلي، بابا ابتسم وقال
ظاهر إننا هنفتح الصندوق ده قريب يا أمل.
أنا وأحمد مكنش قصدنا نعمل فرح أسطوري. كنت عايزة حفلة بسيطة على النيل، أكل حلو، إضاءة هادية، والناس اللي بيحبونا بجد. فجأة سارة اتخطبت ل هاني، نوعية الرجالة اللي بيجي بعربية فخمة تمنها أغلى من كل اللي حوشته في حياتي. بين
وبعدين جت عزومة العشا.
إحنا الأربعة بس، بابا قال. عايزين نتكلم في تفاصيل الفرح.
أحمد هو اللي ساق العربية. لاحظت إن نور المدخل كان عالي زيادة، وابتسامة ماما كانت متوترة وسريعة، وبابا كان عمال يقطع في الورقة اللي على إزازة المشروب بضوافره. سارة مكنتش موجودة.
خلصنا السلطة.. نص الفراخ.. نكتة بايخة ومشدودة من ماما.. وبعدين بابا نحْنَح وقال
أمل يا حبيبتي، إحنا محتاجين نتكلم في موضوع فلوس فرحك.
قلبي وقع في رجلي. قلتله تمام.
قال فرح سارة كبر أوي، وأهل هاني هيدفعوا، بس لسه فيه مصاريف تانية كتير.
ماما حطت إيدها على إيدي وقالت
يا حبيبتي إنتي عملية، ومش محتاجة بهرجة ومصاريف ملهاش لازمة.
سحبت إيدي براحة وقلت
وده إيه علاقته بفلوسي؟
هنا بابا بص في عيني أخيراً وقال
إحنا ادينا الفلوس لأختك.
مش سلفناها.. مش هترجع.. اديناها.
لثانية، الدنيا صغرت في عيني، والطرابيزة والأكل بقوا مشوشين، وودني بدأت تصفر.
قلت بس الفلوس دي كانت عشان فرحي أنا.
ماما قطعت كلامي وقالت دي كانت تحويشة عمرنا، وفي الآخر الفلوس رايحة للعيلة.
بابا رجع بضهره لورا وكأنه مستني إني أوافق وأعديها كالعادة.
سارة
محتاجة.
الكلمة دي لخصت طفولتي كلها اللي كانت مدبوحة قدامي على الطرابيزة.
مصرختش. فضلت أبص لماما وهي بتفرد مفرش الطرابيزة بإيدها. وبصيت لبابا وهو بيهرب من عين أحمد. بصيت ناحية الطرقة اللي مليانة صور العيلة، سارة دايماً في النص، وأنا دايماً متطرفة على جنب. وبعدين ماما قالت الكلمة اللي قسمت ظهري
المفروض تفرحي لأختك بدل ما إنتي أنانية وبتفكري في نفسك بس.
كرسي أحمد اتحرك لورا بصوت عالي.
مقلش حاجة بصوت عالي، بس الحركة كانت كفاية إنها تقطع المزيكا اللي شغالة.
بابا بص لفوق وهو متضايق، وبعدين ملامحه اتشدت. أحمد حط إيديه الاتنين على طرف الطرابيزة وقال بصوت واطي ومخيف
خلوني أتأكد إني سمعت صح.
بابا تمتم الموضوع معقد..
ماما حاولت تلطف إنت متعرفش طبيعة عيلتنا.
أحمد متحركش وقال لأ.. أنا فاهم كويس أوي.
وفي اللحظة دي، حاجة جوايا وقفت عن إنها تبرر قسوتهم دي تحت مسمى العيلة.
كل وردية زيادة.. كل أجازة نزلت فيها شغل مكان حد.. كل مرة اشتريت فيها حاجتي بفلوسي وهم بيصرفوا على سارة في كل ورطة تقع فيها. كل مرة قالوا فيها أمل مسؤولة مكنش قصدهم إنهم واثقين فيا.. كان قصدهم إني متاحة.
أحمد مسك إيدي وقال بهدوء أمل، إحنا ماشيين.
قمت، أخدت