صغيره حافيه القدمين حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

حافية في عز البرد، بتجر وراها كيس كانزات ومعاها أخوها الرضيع.. لحد ما عسكري شافهما وعرف الحقيقة اللي تقطع القلب، وخد قرار غير حياتهم للأبد.
​الهوا كان بيصفر في شوارع المحلة الهادية، ريحة دخان بعيد مع نسمة برد تنشف الريق. كان الوقت خلاص بيودع النهار، والناس بدأت تستخبي في بيوتها والشوارع بدأت تفضى.
​أمين الشرطة "هاني" هدى سرعة البوكس وهو بيلف في حارة جانبية ضيقة. لمحت عينه حركة غريبة قدام.. مش سريعة ولا فيها شغب، بس حاجة مش طبيعية في المكان ده.
​في الأول افتكرها قطة ماشية.
​بعدين الخيال بدأ يوضح.
​دي كانت طفلة.
​جسم صغير بيقاوم البرد.
​ماتكملش خمس سنين.
​حافية، بتدوس بحذر على الرصيف الساقع، وصوابع رجلها الصغيرة بتكش من التلج. لابسة قميص واسع ومبهدل عليها، وكمامه مدارية إيديها الصغيرة. وشها كان مطين، وفي علامات دموع ناشفة تحت عينيها بتقول إنها كانت بتعيط من قريب.
​كانت بتجر وراها كيس بلاستيك كبير مليان كانزات فاضية وخردة، وصوت الخبط بتاع المعدن كان بيرن في الشارع مع كل خطوة بتاخدها.
​بس مش ده اللي خلى "هاني" يفرمل مكانه.
​البنت كانت رابطة على صدرها بقميص قديم بيبي لسه مولود، ومتبتة فيه

بكل قوتها.
​مسؤولية كبيرة على طفل صغير.
​هاني نزل من البوكس براحة، وقفل الباب من غير صوت عشان ميخضهاش.
​الرضيع كان وشه شاحب، وصدره بيطلع وينزل بصعوبة. الهوا كان بيخبط فيه، بس البنت كانت بتلف بجسمها بغريزة فطرية عشان تحميه من البرد بضهرها.
​مبنش عليها أي خوف أو ارتباك.
​كانت مركزة بس.
​كأنه روتين يومي بتعمله.
​نوع من الإصرار الهادي اللي ميليقش أبداً على طفلة في سنها ده.
​هاني شاف حالات صعبة كتير في شغله، بس المنظر ده.. ده كان حاجة تانية خالص.
​قرب منها براحة.
​نزل على ركبة ونص عشان يبقى في مستواها، وساب مسافة بينهم عشان متخافش.
​"أهلاً يا قمر،" قالها بصوت واطي وحنين. "ماتخافيش، إنتي مش عاملة حاجة غلط. أنا بس عايز أساعدك."
​البنت اتسمرت مكانها.
​إيدها قفشت في كيس الكانزات أكتر. رفعت عينيها وبصت له، مش بفضول الأطفال.. لكن بحذر الكبار اللي شافوا الويل.
​نظرتها دي لوحدها عرفت "هاني" الحكاية من غير ولا كلمة.
​"اسمك إيه يا شطورة؟" سألها بلطف.
​سكتت كتير.
​صوت الهوا بس هو اللي كان مالي المكان.
​وفي الآخر همست بصوت يدوب يتسمع:
​"ملك."
​أخ رفضت إنها تسيبه.
​هاني هز راسه وابتسامته لسه على وشه:
​"
اسم جميل يا ملك. ومين النونو الجميل اللي معاكي ده؟" سألها وهو عينه على الطفل اللي نايم على صدرها.
ملك بصت لأخوها بحب وخوف في نفس الوقت، وضمته أكتر لصدرها كأنها بتخبيه من الدنيا كلها، وقالت بصوت مهزوز: "ده سيف.. أخويا الصغير. لسه مولود من كام يوم."
​هاني حس بوجع في قلبه، وسألها بهدوء: "طيب وأهلك فين يا ملك؟ إيه اللي مخرجك في البرد ده وبتحوشي الكانزات دي ليه؟"
​ملك عينيها اتملت دموع بس منزلتش، وقالت: "ماما تعبانة أوي في البيت ومبتتحركش، وبابا سابنا ومشي من زمان. سيف كان بيعيط من الجوع ومفيش لبن، فقلت أنزل ألف وأجمع الحاجات دي عشان أبيعها لعم "عاشور" بتاع الخردة وأجيب له علبة لبن."
​هاني مقدرش يمسك نفسه، قام وقف ومد إيده لها وقال: "طيب يا ملك، تعالي معايا يا حبيبتي، هنروح نجيب لسيف أحلى لبن في الدنيا، وهنروح لماما ونشوفها مالها."
​ملك خافت في الأول ورجعت خطوة لورا: "بس أنا لسه مجمعتش كانزات كفاية.."
​هاني ابتسم لها وقال: "ماتشغليش بالك بالكانزات دلوقتي، أنا اللي هجيب اللبن وسيف مش هيجوع تاني أبداً."
​ركبت ملك معاه البوكس، وكانت مبهورة بكل حاجة جوه، وسيف بدأ يفتح عينيه ويصدر أصوات ضعيفة.
هاني وقف قدام صيدلية وجاب لبن وببرونة، وجاب لملك ساندوتشات وعصير. ملك كانت بتاكل بلهفة وهي بتأكل سيف في نفس الوقت بمهارة متجيش من طفلة في سنها.
​لما وصلوا للبيت اللي ملك قالت عليه، هاني انصدم من المنظر. كانت أوضة في بدروم تحت الأرض، ريحتها رطوبة وعفن، والأم كانت نايمة على مرتبة قديمة في الأرض، وشها شاحب وجسمها ضعيف جداً.
​أول ما شافت ملك وهاني، الأم حاولت تتعدل وهي مخضوضة: "ملك! إيه اللي حصل؟ ومين ده؟"
​هاني طمنها بسرعة: "اهدي يا ست الكل، أنا أمين شرطة ولقيت ملك في الشارع وحكت لي كل حاجة. إنتي تعبانة من إيه؟"
​الأم بدأت تعيط وتقول إنها جالها حمى بعد الولادة ومعندهاش تمن الدواء ولا قادرة تقوم ترضع ابنها، وإن ملك هي اللي شايلاهم بقالها كذا يوم.
​هاني مكدبش خبر، اتصل بالإسعاف فوراً ونقلوا الأم للمستشفى، وكلم زمايله في القسم وجمعوا مبلغ محترم من بعضهم. مش بس كدة، هاني اتواصل مع جمعية خيرية واتفق معاهم إنهم هيفرشوا للأم الأوضة دي من جديد ويصرفوا لها معاش شهري.
​بعد أسبوعين، كانت الأم اتعافت ورجعت لبيتها اللي بقى أنضف وأجمل بكتير بفضل هاني وزمايله. ملك وسيف بقوا أحسن كتير، وملك لبست جزمة
جديدة ولبس نضيف، وراحت المدرسة لأول مرة في حياتها.

تم نسخ الرابط