لمة العيله من حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

أول مرة يشوفني، وأمي زغرطت من فرحتها وهي مش مصدقة إن بنتها الهادية دي شايلة كل المسؤولية دي.
اللواء أسامة لفت ليا وأدى التحية العسكرية بكل احترام وقال تمام يا فندم، نورتينا يا سيادة المقدم، وشكراً على البسبوسة اللي طعمها زي الذهب.. زي صاحبتها بالضبط.
في اللحظة دي، عرفوا كلهم إن المظاهر خدّاعة، وإن اللي شايل الشيلة بجد مش محتاج يتكلم عن نفسه، لأن فعله هو اللي بيتكلم عنه وقت اللزوم.
اللواء أسامة كمل كلامه وهو باصص لهاني وشيرين بحدة خلتهم يحسوا إنهم قد النملة يا هاني، الرتبة اللي أنت شايلها وفخور بيها دي، كان ممكن تكون ذكرى لولا ذكاء المقدم سارة وسهرها. في العملية الأخيرة اللي أنت كنت فيها، الخريطة اللي كانت في إيدك ومسارات الهروب اللي أمنتكم، دي كانت شغل إيد أختك اللي بتقولوا عليها عالة.
هاني وشه بقى زي الدم، وشيرين نزلت عينها في الأرض ومش قادرة ترفعها، والجو في الصالة اتكهرب بس المرة دي الفخر هو
اللي كان سيد الموقف.
اللواء أسامة لف وبص لوالدي وقال له يا حاج، أنت ربيت بطلة، اسم بنتك محفور في سجلات الشرف عندنا بحروف من نور، بس هي حكم عملها بيفرض عليها الصمت، والصمت ده هو اللي بيحمينا كلنا.
أبويا قام من مكانه بخطوات ثابتة، وقرب مني وحضن راسي وهو بيقول بصوت مخنوق من الفرحة يا بنتي.. أنا كنت حاسس إنك كبيرة، بس مكنتش أعرف إنك شايلة حمل بلد على كتافك.. سامحينا يا سيادة المقدم إننا قصرنا في حقك.
أمي قعدت تدعي لي وهي بتمسح دموعها، وشيرين حاولت تقرب تعتذر وهي مكسوفة، بس أنا اكتفيت بابتسامة هادية وقلت لها يا شيرين، الشغل الحقيقي مش بالمنظرة ولا بالعربية اللي راكبينها، الشغل الحقيقي هو اللي بنعمله لوجه الله وللوطن واحنا راضيين، حتى لو مفيش حد عرفه.
اللواء أسامة استأذن ومشي بعد ما ساب بصمة مش هتتنسي في البيت ده، ومن يومها، نظرة العيلة كلها ليا اتغيرت، مش بس عشان الرتبة، لكن عشان عرفوا إن اللي بيخدم
بجد، مش محتاج طبل ولا زمر.. يكفيه بس إنه يكون عارف قيمته قدام ربنا ونفسه.
بعد ما اللواء أسامة مشي، الصمت فضل سيد المكان لثواني، بس كان صمت مختلف تماماً.. صمت مليان هيبة.
هاني كان واقف مش عارف يودي وشه فين، كأنه تلميذ خايب اتمسك بيغش، وشيرين كانت بتبص لصينية البسبوسة اللي عملتها بإيدي وكأنها بتشوفها لأول مرة. قامت ببطء وقربت مني، وصوتها كان بيترعش وهي بتقول أنا.. أنا بجد مكنتش أعرف يا سارة. أنا آسفة، أنا كنت فاكرة إن..
قاطعتها بهدوء وأنا ببتسم كنتِ فاكرة إن اللي مبيحكيش مبيعملش، واللّي مبيشتكيش معندوش حمل.. مش كدة؟ يا شيرين، في رتب ومقامات بنوصل لها، أول شرط فيها إننا ننسى كلمة أنا ونمحي قصصنا من لساننا. أنا مش زعلانة منك، أنا بس كان نفسي تقدري تعبي كأخت، مش كظابط.
هاني قرب مني وهو بيدي التحية العسكرية بجدية تامة، وقال بصوت واطي ومليان احترام يا سيادة المقدم.. أنا النهاردة اتعلمت درس عمري. أنا فعلاً
كنت برجع وبقول المأمورية كانت سهلة، مكنتش أعرف إن في حد سهر الليالي عشان يمهدلي الأرض ويخليها سهلة. ده شرف ليا إني أكون جوز أختك.
أبويا، اللي كان دايمًا بيحب النظام والالتزام، قعد على كرسيه وهو منفوخ بالفخر، وبص لعمي سيلاس وقال له شوفت يا سيلاس؟ شوفت بنت الكمبيوتر طلعت بتعمل إيه؟ دي اللي بتشغل العقول اللي بتحرك الجيوش!
أمي قامت لمت الأطباق وهي بتدندن وبتقول أنا قلبي كان حاسس، بنتي دي من صغرها وهي سترة وغطا علينا كلنا.
الليلة دي مخلصتش بعتاب، خلصت وإحنا كلنا قاعدين بنشرب الشاي، بس المرة دي مكنتش قاعدة في طرف التربيزة. المرة دي، الكل كان بيسمع لسكوتي قبل كلامي. عرفوا إن العربية ال 128 اللي بره دي وراها ست بتهز جبال، وإن الصمت ده مش ضعف.. ده قمة القوة.
ومن يومها، بقيت لما أدخل بيت والدي، بشوف في عينيهم نظرة تانية خالص.. نظرة عرفان بالجميل لبطلة مجهولة، اختارت إنها تحميهم في السر، عشان هما يعيشوا في
العلن متهنيين.

تم نسخ الرابط