وصيه تكشف الاسرار حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

في فرح ابني، كنت قاعدة في هدوء تام بفستاني الأزرق البسيط اللي شارياه من محل عادي، وأهل العروسة بيتعاملوا معايا كأني ست غلبانة من الأرياف وماليش في التور والجديد، ومستحمليني بس من باب الذوق.. لحد اللحظة اللي حماتها بصتلي فيها، وابتسمت لأختها بسخرية، وقالت بصوت مسموع لأول صف دي مش أم عريس، دي غلطة ماشية بفستان، والعروسة ضحكت بجد كأنها سمعت نكتة الموسم.. بس اللي محدش فيهم كان يعرفه، إني بقالي 15 سنة ببني ثروة في صمت، وبخطط لهدية جواز معينة جداً، وداخلة في نفس الصفقة العقارية اللي أبوها فاكر إنها هي دي اللي هتأمن مستقبله.. عشان كدة لما ابني ساب الكوشة، ومسك المايكروفون، وبصلي وأنا قايمة من مكاني، عيلة الراوي مكانش عندهم أدنى فكرة إن فرحهم الأرستقراطي ده هيتحول لليوم اللي هيخسروا فيه كل حاجة كانت محسساهم إنهم فوق البشر.
في فرح ابني، كنت قاعدة هادية بفستان أزرق بسيط، وأهل العروسة بيتعاملوا معايا كأني أرملة ريفية طيبة بيجاملوها وبس. وبعدين، وبصوت واضح يوصل لأول صف، حماته بصت ناحيتي وهمست لأختها دي مش أم.. دي غلطة لابسة فستان.
بنتها بريهان ضحكت.
مش ضحك إحراج ولا كسوف، لا، دي ضحكت من قلبها كأن الكلام عجبها قوي، ضحكة حادة وفيها استعلاء، كأنها سمعت أحلى نكتة في حياتها.
وابني سمعها.
شوفت اللحظة اللي الكلمة وصلت فيها لودنه بالظبط. أحمد كان واقف قدام، بيعدل الوردة اللي في الجاكيت، وشكله زي أي عريس، وشه مخطوف وشوية توتر وهو داخل على حياة جديدة. وفجأة، كل

ده اتغير. ضهره اتفرد، ملامحه نشفت، والنور اللي في عينيه انطفى في ثانية كأن حد داس على مفتاح النور.
دي كانت اللحظة اللي الفرح فيها انهار فعلياً.. بس في صمت.
الغريب إن من ست شهور بس، كان أكبر همي في الدنيا هو الورد اللي بزرعه في جنينة بيتي.
مكانش فيه أي دراما، ولا أي حاجة توحي باللي هيحصل. كنت قاعدة في مطبخي في بيتي الهادي في طنطا، بقلب في مجلة زراعة، وبفكر يا ترى زرعت الورد قريب من بعضه ولا لا قبل الشتا. كان يوم من أيام الخريف الباردة اللي بتحس فيها إن الدنيا ساكتة وبتاخد نفسها.
وأنا في سن الاتنين وستين، اتعودت أعيش في هدوء.
لبس هادي. روتين هادي. بيت هادي. وثروة هادية جداً.. خصوصاً دي.
بالنسبة لكل اللي حواليا، أنا مدام دينا، الأرملة المحترمة اللي عندها ابن وحيد، الست اللي بتعمل صواني أكل في المناسبات، وبتركب عربية قديمة وحالتها معقولة، وبتلبس نفس البالطو كل شتا عشان لسه شغال ومافيهوش حاجة. جوزي الله يرحمه مات من أكتر من عشر سنين، ومعظم الناس كانت فاكرة إني عايشة بقرشين المعاش اللي سابهم بالعافية.
كانوا غلطانين تماماً.
بس أنا اتعلمت إن لما الناس تستهون بيك، دي بتبقى ميزة ومكسب. الناس بتسترخي قدامك، بيبدأوا يلتوا ويعجنوا ويحكوا كتير، بيفترضوا إنك كمالة عدد ومالكش لازمة.. وفي الوقت اللي هما مشغولين فيه بتجاهلك، إنت بتقدر تشوف كل حاجة بوضوح.
الصباح ده كنت راضية ومرتاحة، مش طايرة من الفرح ولا حزينة، بس حياتي كان ليها إيقاع. قهوة بدري، متابعة تقارير
البورصة والسوق بعد كدة، تمشية لو الجو سمح، وشوية شغل تطوعي في الجمعية الخيرية.. حياة بسيطة لدرجة إن محدش فكر يسألني عن أي حاجة.
لحد ما أحمد كلمني.
قال لي يا ماما، وكنت سامعة الفرحة في صوته قبل ما يكمل الكلام، عايزك تقابلي حد مهم قوي.
لو ربيتي عيل قبل كدة، هتعرفي الكلمة دي وراها إيه.
أحمد كان عنده 32 سنة وقتها. حنين، بيقدر الناس، وبيرضي اللي قدامه بزيادة. من نوعية الرجالة اللي يفضل ماسك الباب للناس حتى لو إيده مليانة شيل. كان واخد صبر أبوه، وطريقتي في التفكير لقدام، بس لما كان الموضوع بيوصل للحب، كان بيبقى على نياته قوي وصادق زيادة عن اللزوم.
قال لي اسمها بريهان، وإحنا بقالنا شهرين بنعرف بعض.
السكوت اللي بعد الجملة دي عرفني كل حاجة. الموضوع جد، وجد لدرجة إنه فارق معاه رأيي.
قلت له هاتها نتعشى مع بعض.
أول مرة قابلت فيها بريهان الألفي، قضت أول ربع ساعة بتصور طبق المقبلات بتاعها عشان السوشيال ميديا.
كنا في مطعم إيطالي صغير وسط البلد، من النوع اللي مفارشه كاروهات وشموع. أحمد كان باصص لها بفخر لدرجة إني حاولت بجد أفتح قلبي ليها. كانت جميلة، بس جمال متصنع ومقصود. طويلة، وشعرها وشكلها كأنها طالعة من مجلة، من النوع اللي عارف إنه متشاف ومترقب. البلوزة اللي لابساها لوحدها تمنها يعدي فواتير بيتي في شهر، وكانت بتتحرك بثقة الست اللي عمرها ما شكت إن وجودها في أي مكان هو تشريف للمكان.
بوست أحمد من خده قبل ما تقعد، وسلمت عليا بابتسامة مرسومة وهي بتقولي يا طنط
دينا. وبعدين طلبت سلطة وقعدت تلف في الطبق يمين وشمال عشان الإضاءة في الصورة تطلع مظبوطة.
وأحمد بيتكلم، وهو فرحان ومرتاح، بريهان بدأت تسألني أسئلة بابتسامة كانت مدارية تحتها سم تقيل.
سألتني إنتي لسه عايشة في بيت العيلة؟
قلت لها أيوة.
لوحدك؟
أيوة.
أكيد الموضوع صعب.
ليه أوقاته.
هزت رأسها وهي بترش جبنة على السلطة فكرتي في خططك لقدام؟ يعني السكن، الرعاية، والحاجات دي؟ ماما مهتمة قوي إن كل حاجة تكون مترتبة صح ومستقرة.
بصيت لأحمد، وكنت مستنية أشوفه هيلاحظ نبرة الاستعلاء اللي في كلامها ولا لا.. بس ما لاحظش، أو يمكن لاحظ وقرر يغمي عينه.
قلت لها عندي خطة.
ردت بابتسامة كأنها بتبارك لطفلة صغيرة كويس قوي، ستات كتير في سنك بيسيبوا الظروف هي اللي تمشيهم.
ستات في سنك..
ابتسمت لها وقلت عمري ما كنت من النوع اللي بيسيب حاجة للصدفة.
بريهان كملت أكلها وهي بتنقل عينيها بيني وبين أحمد بنظرات كلها شفقة، كأنها خلاص صنفتني في خانة الست العجوزة اللي هتبقى عبء عليهم.
عدى كام شهر، والموضوع اتطور بسرعة البرق. أحمد كان غرقان لشوشته، وعيلة الراوي بدأوا يظهروا في الصورة. أبوها، عاصم الراوي، كان راجل أعمال من النوع اللي بيحب المنظرة، صوته عالي، وبيلبس خواتم وساعات لازم تبرق عشان الكل ياخد باله إنه واصل.
في أول عزومة رسمية في بيتهم، البيت كان عبارة عن قصر في التجمع، رخام في كل حتة، وخدم وحشم. عاصم قعد يكلمنا عن الصفقة العمر اللي داخل فيها، مشروع تطوير عقاري ضخم في الساحل، وقال
بجفاء وهو بيبصلي
إحنا يا مدام دينا بنحب
تم نسخ الرابط