طرد الابنه حكايات صافي هاني
أمي صرخت في وشي: "اطلعي بره ومش عايزة أشوف وشك هنا تاني!".. وده بالظبط اللي عملته. بعد كام أسبوع، أبويا كلمني بيسأل ليه قسط الشقة مدفعش، والرد اللي رديته خلاه مش عارف ينطق حرف...
الساعة كانت 7:30 صباحية يوم حد، "إيمان" كانت خلاص على تكة وتعيط، واقفة بتبص على علّاقة المفاتيح الفاضية، في نفس الوقت اللي كانت مامتها بتزعق وتقول إن خروجها من البيت هيكون أحسن حاجة تعملها للكل.
ريحة العيش المحروق والقهوة اللي متسخنة كذا مرة كانت مالية المكان، وكأن البيت نفسه شايل غلّ سنين. في حي هادي في القاهرة، الشمس كانت طالعة هادية وبتبشر بروقان، بس جوه البيت ده، الجو كان تقيل ويخنق.
إيمان، رئيسة تمريض في طوارئ مستشفى خاص، واقفة بهدوم الشغل الكحلي المكوية بالمسطرة، ولمّة شعرها لورا بسرعة، وقلبها مقبوض بوجع مابقتش عارفة تداريه. ورديتها 12 ساعة وهتبدأ كمان أقل من ثلث ساعة، وعربيتها مش موجودة.. ولا المفاتيح.
أمها "راوية" مابصتلهاش حتى، كانت مشغولة بتعمل فطار "ملوكي" لابنها الصغير "ياسين"، 24 سنة، وبتعامله كأنه طفل ميعرفش يقلي بيضة. كانت بتقلب السجق وبترص شرائح الأفوكادو وبتبتسم بحنية بنتها عمرها ما شافتها.
إيمان انفجرت: "إيه المهزلة اللي بتبدأيها دي؟" ومسكت طرف الرخامة لحد ما صوابعها ابيضت من كتر الضغط. "أنا مش بتبلى عليه، ياسين خد عربيتي تاني، والكاوتش نايم بقاله أسابيع وهو ولا فكر يصلحه.. أنا لازم أنزل الشغل!"
ردت راوية ببرود: "ياسين محتاج العربية النهاردة"، وكأن الموضوع ملوش نقاش. "أخوكي
إيمان ضحكت ضحكة صفراء: "شاف كتير؟ من كتر السهر قدام البلايستيشن وشرب السجاير؟ أنا اللي بشتغل فعلاً، وأنا اللي شايلة البيت ده على كتافي!"
قبل ما راوية ترد، باب البلكونة اتفتح ودخل "فوزي" أبوها، وإيده مليانة شحم من تصليح فيسبا قديمة بقاله شهور بيصرف عليها من ورا إيمان.. مأيدش بنتها، بالعكس، نرفزته كانت متوجهة ليها: "هو إحنا مش هنخلص من نكدك؟ مفيش يوم إجازة بيعدي في هدوء؟"
إيمان بصتله بخنقة: "أنا عايزة مفاتيح عربيتي بس، لو اتأخرت تاني هيتعملي لفت نظر."
راوية لفت وشها أخيرًا وبصتلها بحدة: "بلاش دراما، اطلبي أوبر.. إنتي قاعدة هنا ببلاش، وبتاكلي من أكلنا وبتستهلكي كهربتنا، أقل حاجة تعمليها إنك تسيبي العربية لأخوكي."
السكوت ساد المكان.. إيمان جسمها قشعر: "قاعدة ببلاش؟" الكلمة كانت قوية لدرجة إنها مابقتش توجع، بقت تضحك.
قالت بصوت ثابت: "أنا اللي بدفع قسط الشقة بقالي 3 سنين، من ساعة ما بابا طلع معاش مبكر وإنتي بطلتي شغل. أنا اللي شايلة البيت والمصاريف والنت، وحتى كارت الائتمان بتاع ياسين أنا اللي بسدده!"
فوزي خبط الفوطة اللي في إيده على التربيزة: "لمي لسانك، محدش غصبك، إنتي اللي اخترتي تقعدي."
الكدبة كانت فجة لدرجة إن حاجة جوه إيمان انكسرت. افتكرت الليالي اللي بكوا فيها عشان البيت ميتحجزش عليه، وافتكرت لما وافقت تشيل الشيلة كلها عشان خاطر "اللمة". اكتشفت إنها كانت مجرد "سبوبة" ليهم.
في اللحظة دي ظهر ياسين بشعره المنكوش وهو بيتثاوب، خد الساندوتش
راوية كملت بغل: "وعلى فكرة، محدش مديون ليكي بحاجة."
إيمان ردت بهدوء مرعب: "فعلاً.. أنا اللي ليا حق عندكم من زمان."
راوية شاورت على الباب وهي بتترعش من الغضب: "طب اطلعي بره! لو مش عاجبك عيشتنا اطلعي ومترجعيش تاني! قرفنا من سمّك ومن هجومك على أخوكي!"
الكل سكت.. صوت التلاجة كان مسموع. فوزي مكلمش، وياسين بطل يبتسم بس فضل ساكت. كانوا فاكرينها هتنهار وتعتذر كالعادة عشان تفضل في وسطهم.
بس المرة دي، إيمان قالت ببرود: "تمام.. أنا ماشية."
راوية بربشت بعينيها: "إيه؟"
إيمان: "إنتي اللي قولتيلي أمشي، وده اللي هيحصل."
دخلت أوضتها، لمت شنطتها فيها الأساسيات بس (لبس الشغل، ورقها، اللابتوب، والباسبورت). سابت كل حاجة تانية دفعت تمنها في البيت.
بعد ربع ساعة كانت بره الأوضة بشنطتها. فوزي بدا عليه القلق، راوية كانت لسه مكابرة بس عينيها فيها خوف، وياسين واقف ماسك المفاتيح ومش فاهم حاجة.
إيمان خدت المفتاح الاحتياطي من مكانه وخرجت.
راوية صرخت وراها بذعر: "لو خرجتي ماترجعيش!"
إيمان ماردتش.. طلبت عربية وركبت بشنطها ومشيت. وهي شايفة البيت بيصغر في المراية، محستش إنها مكسورة، حست إنها اتولدت من جديد.
بالليل، وهي في فندق بسيط، فتحت حسابها البنكي وبصت على كل مليم صرفته على البيت ده، وفهمت الحقيقة.. أمها مش بس طردتها، أمها شالت الشخص الوحيد اللي كان ساند
عدى أسبوعين وإيمان قافلة تليفونها عنهم تماماً، بدأت ترتب حياتها في شقة "ستوديو" صغيرة قريبة من المستشفى، ولأول مرة من سنين تنام وهي مش شايلة هم حد غير نفسها.
يوم التلات، الساعة 10 بالليل، تليفونها مابطلش رن. كان "فوزي" أبوها. ردت ببرود: "أيوة يا بابا؟"
صوته كان مهزوز وفي خلفية الصوت سمعت خناق ومامة "راوية" بتعيط بصوت عالي: "إيمان.. إيه اللي إنتي عملتيه ده؟ البنك باعت إنذار، والقسط بتاع الشقة مدفعش، والكهرباء اقطعت الصبح عشان الفاتورة متأخرة!"
إيمان ردت بمنتهى الهدوء وهي بتشرب قهوتها: "مش ماما قالت إني قاعدة ببلاش وبستهلك كهربتكم وأكلكم؟ أهو أنا دلوقتي في حالي، وبدفع لنفسي بس."
فوزي زعق: "إنتي بتهزري؟ إحنا معندناش مليم! وياسين ضيع الفلوس اللي كانت معاه على تصليح الكاوتش اللي اتقطع منه وهو بيسحب بالعربية! إزاي توقفي الدفع من غير ما تقولي؟"
إيمان ضحكت ضحكة قصيرة: "أقول لمين؟ للناس اللي طردوني من بيتي اللي بدفع تمنه؟ ولا للناس اللي فاكرين إن لقمة الأكل اللي باكلها صدقة منهم؟"
راوية خدت التليفون من جوزها وهي بتصرخ: "إنتي عايزة تشردينا يا إيمان؟ عايزة تفضحينا قدام الجيران والبنك يطردنا؟ فين بر الوالدين؟"
إيمان ردت بكلمتين نزلوا عليهم زي الصاعقة: "البيت ده أنا اللي شارياه بفلوسي وبعرقي، والرهن العقاري باسمي أنا.. وبما إني طردتوني ومنعتوني أدخله، أنا كلمت البنك النهاردة الصبح وطلبت (بيع العقار) لسداد المديونية، والباقي