طرد الابنه حكايات صافي هاني
مستقبلي.. إنتوا قدامكم شهر واحد تلاقوا مكان تروحوه، لأن البيت مابقاش ملكي ولا ملككم."
راوية صرخت: "إنتي بتقولي إيه؟ إنتي اتجننتي؟"
إيمان: "لا يا ماما، أنا بس فوقت. جربوا بقى تعيشوا بـ (حنّية) ياسين و(سكوت) بابا، يمكن هما اللي يدفعوا لكم الإيجار الجديد.. سلام."
قفلت السكة، وفي اللحظة دي حست إن الحمل اللي كان على كتافها سنين وقع، وبصت للسما وهي عارفة إن اللي جاي لأول مرة.. هيكون ليها هي وبس.
بعد المكالمة دي، البيت هناك اتقلب مناحة. "راوية" مابطلتش صويت، و"فوزي" قاعد على الكرسي حاطط إيده على راسه مش مصدق إن بنته "المطيعة" اللي كانت مابتنطقش، قدرت تعمل فيهم كدة.
أما "ياسين"، فكان قاعد بيبص لمفتاح العربية اللي في إيده، اللي مابقتش تجيب ولا تودي لأن مفيش مليم يدفع تمن بنزينها، ولا حتى تمن علبة السجاير اللي في جيبه.
بعد يومين، "فوزي" راح لإيمان المستشفى. وقف قدامها وهو مكسور، بيحاول يستعطفها: "يا بنتي، إحنا أهلك، مهما حصل متهونيش علينا.. إنتي عايزة ترمي أمك وأخوكي في الشارع؟"
إيمان بصتله وهي ماسكة كشف الممرضات، وعينيها فيها نظرة أول مرة يشوفها.. نظرة حد شبع وجع لحد ما جمد: "يا بابا، أنا مرمتكمش.. إنتوا اللي اختارتم إن وجودي عبء، وإن فلوسي حق مكتسب. أنا سنين كنت بشتغل 12 ساعة عشان حضرتك توضب الموتوسيكل، وياسين يخرج مع صحابه، وماما تعمل عزومات.. ومحدش فيكم سألني مرة: (إنتي عاملة إيه يا بنتي؟) أو (محتاجة
فوزي حاول يقاطعها، بس هي كملت: "أنا مش هبيع البيت عشان أذلكم.. أنا هبيعه عشان دي الطريقة الوحيدة اللي تخليني أتحرر منكم. أنا حجزت لكم شقة إيجار صغيرة على قد معاشك، ودفعت مقدم سنة.. دي آخر حاجة هعملها ليكم كبنت. من هنا ورايح، كل واحد يشيل شيلته."
فوزي سألها بصوت واطي: "وياسين؟"
إيمان ابتسمت بوجع: "ياسين عنده 24 سنة، يعني يقدر يشتغل أي حاجة.. سواق، كاشير، أي حاجة تجيب قرش. خليه يجرب (التعب) اللي ماما كانت بتقول إنه شافه كتير وهو قاعد قدام البلايستيشن."
سابت أبوها واقف مكانه ومشيت كملت ورديتها. لأول مرة إيمان كانت ماشية في طرقة المستشفى وراسها مرفوعة، مش شايلة هم إن حد هيتصل يطلب دليفري على حسابها، ولا هم إن عربيتها تتاخد منها غصب.
البيت اتباع فعلاً، والبنك خد حقه، وإيمان خدت اللي باقي وبدأته كبداية جديدة لحياة هي بطلتها، مش مجرد "تمويل" لحياة ناس تانية.
أهلها اتنقلوا الشقة الجديدة، وياسين اضطر فعلاً ينزل يدور على شغل لأول مرة في حياته بعد ما لقى إن "الحنية" مابتأكلش عيش، وراوية بقت قاعدة تبص لحيطان الشقة الفاضية وتفتكر شكل إيمان وهي مكسورة الصبح ومحدش طيّر الدمعة من عينيها.
اتعلموا الدرس، بس بعد ما خسروا الشخص الوحيد اللي كان بيحبهم بجد.. خسروا إيمان.
مرت الشهور، والحياة دارت دورتها.
إيمان اشترت شقة صغيرة على قدها، مكان هادي مسموح فيه بس بالناس اللي بيحبوها بجد. مفيش خناق، مفيش استغلال، ومفيش
أما في الشقة الإيجار، فالوضع كان "يصعب على الكافر".
ياسين اشتغل "دليفري" في مطعم قريب، وكان بيرجع كل يوم يشتكي من رجله ومن زحمة الطريق، فكانت راوية بتعيط وتقوله: "معلش يا حبيبي، أهي أختك القاسية هي اللي رمتنا الرمية دي".
بس فوزي، لأول مرة، نطق بالحق. خبط على التربيزة وقالها:
"لا يا راوية، إحنا اللي رمينا نفسنا. البنت كانت شايلانا فوق راسها وإحنا اللي دوسنا عليها لحد ما طقت. إيمان مش قاسية، إيمان بس عرفت قيمتها، وإحنا اللي نسينا إننا لينا بنت مش مجرد (بنك) بيصرف علينا."
في يوم، إيمان كانت ماشية في مول، وشافت ياسين واقف لابس لبس الشغل وماسك أكياس أكل ومستني الأسانسير. ملامحه كانت متغيرة، التعب باين عليه، والغرور اللي كان في عينيه انكسر.
شافها، وارتبك.. مكنش عارف يداري وشه منها ولا يروح يكلمها.
إيمان قربت منه بهدوء، مكنش في قلبها غل، كان فيه "سلام".
قالتله: "عامل إيه يا ياسين؟"
ياسين بص للأرض وقال بصوت واطي: "تعبان يا إيمان.. الشغل طلع صعب أوي. أنا مكنتش فاهم إنتي كنتي بتعاني إزاي عشان توفري لنا كل ده."
إيمان طبطبت على كتفه وقالتله: "التعب هو اللي بيعمل راجل يا حبيبي. دلوقتي بس هتعرف قيمة القرش، وقيمة الناس اللي كانت بتضحي عشانك."
ياسين سألها بلهفة: "مش هترجعي؟ ماما كل يوم بتسأل عليكي.. ونفسنا نرجع نتجمع تاني."
إيمان
"أنا موجودة يا ياسين، بس مش هقدر أرجع زي زمان. التجمع اللي كان على حساب كرامتي وصحتي مكنش تجمع، كان استنزاف. أنا هفضل أزوركم، وهفضل أسأل عليكم، بس (إيمان القديمة) ماتت يوم ما طردتوني.. وإيمان الجديدة مش مسموح لحد يكسرها تاني."
سابته ومشيت، وهي حاسة إنها أخيراً "اتصافت" مع الماضي. لا هي شمتانة، ولا هي ندمانة.
عرفت إن أهلك مش بس اللي من دمك، أهلك هما اللي بيسندوك لما تقع، مش اللي بيوقعوك عشان يسندوا على كتافك.
ومن يومها، الكل عرف حدوده. إيمان بقت "الضيفة الغالية" اللي بتيجي بزيارة شيك وبتمشي بكرامتها، وهما اتعلموا إن السند ملوش ثمن، وإن اللي بيضحي مرة، لو ضاع.. مابيرجعش تاني أبدًا بنفس القلب.
القصة خلصت عند النقطة دي، والحقيقة إنها نهاية واقعية ومنصفة جداً.
إيمان اختارت إنها متكونش "ضحية" للأبد، وفي نفس الوقت مابقتش "شريرة"؛ هي بس حطت حدود. أهلها اتعلموا الدرس الصعب: إن اللي بيشيل شيلة مش بتاعته، من حقه يرميها في أي وقت لو اللي حواليه مقدروش تعبه.
دي كانت نهاية الحكاية:
إيمان: كسبت نفسها وراحتها ومستقبلها.
ياسين: بقى راجل بيعتمد على نفسه وعرف قيمة القرش.
الأب والأم: فهموا إن "الضنا" غالي مش عشان فلوسه، لكن عشان حنيته اللي هما خسروها بإيديهم.
الحكاية دي درس لكل واحد حاسس إنه "مستنزف" في علاقة، سواء مع أهل أو صحاب.. إنك تقول "لأ" وتخرج من الدايرة دي، مش قسوة،