ابن يدافع عن امه حكايات صافي هاني
وهناك وقف ابني.. "ياسين".
صغير في الحجم، بس ثابت زي الجبل.
واقف تحت الأضواء قدام قاعة مليانة كبار لسه حالا ضاحكين على أمه.
قال: "أنا عايز أقول كلمة..."
💬 اللي قاله بعد كده خلى القاعة كلها مش عارفة تنطق ولا كلمة...
ياسين مسك الميكروفون بإيده الصغيرة، وبص للقاعة كلها بنظرة كانت أكبر من سنه بكتير. السكوت اللي ساد كان يرعب، لدرجة إن صوت نفس الناس كان مسموع.
بص لجدته "دينا" وبعدين بص لـ "هنا" العروسة وقال بصوت واثق ومسموع:
"أنا لسه طفل، بس اتعلمت إن الفرح معناه إننا نكون فرحانين لبعض، مش نضحك على بعض. ماما اللي بتضحكوا عليها دي، هي اللي علمتني إني أبقى راجل، وعلمتني إن القوة مش في الميكروفون ولا في اللبس الغالي.. القوة إنك تعيش بشرفك وماتكسرش خاطر حد."
القاعة كلها اتجمدت. "هنا" العروسة وشها جاب ألوان، وأمي بدأت تفرك في إيدها بتوتر.
ياسين كمل وهو باصص لخاله إياد:
"يا خالو، أنت كنت بتقولي إنك بتحب ماما عشان هي اللي شالتك وأنت صغير.. هي دلوقتي بتعيط بسببك، عشان سكتت وأنت شايفها بتتهان في بيتك. اللي يفرط في أخته عشان نكتة، مايستاهلش نبارك له."
في اللحظة دي، ياسين ساب الميكروفون على الأرض.. الصوت عمل "بوم" هز القاعة.
نزل من على المسرح وجالي، مسك إيدي بقوة وقال بصوت عالي أدامهم كلهم:
"يلا يا ماما، المكان ده مايليقش
قمت وقفت، رفعت راسي لأول مرة من ساعة ما دخلت الفرح. بصيت لأمي وأخويا نظرة أخيرة، نظرة "وداع" مش عتاب. مشيت وأنا ماسكة إيد ابني، وفي ضهرنا كان فيه صوت همس ووشوشة، بس المرة دي مكنتش ضحك.. كانت نظرات كسوف وندم منهم كلهم.
خرجنا للهوا، وأول ما ركبنا العربية، ياسين بص لي وابتسم وقال: "انتي أحلى واحدة في الدنيا يا ماما، وما عاش ولا كان اللي يزعلك وأنا موجود."
في اللحظة دي عرفت إني فعلاً "أم عزباء"، بس مش مثيرة للشفقة.. أنا أم لبطل، وده كان كفاية جداً عشان أقفل الصفحة دي للأبد.
خرجنا من القاعة والسكوت ورايا كان زي القبر. أول ما الهوا البارد خبط في وشي، حسيت إني بدأت أتنفس بجد.
ركبنا العربية، وياسين فضل ساكت تماماً وهو باصص من الشباك. كنت مستنية ينهار أو يعيط، بس هو كان أعقل مني بكتير.
فجأة، موبايلي بدأ يترج بمكالمات ورسايل.
أمي.. إياد.. خالاتي.. حتى العروسة "هنا" بعتت رسالة بتقول فيها: "إحنا كنا بنهزر، أنتي ليه بوظتي الفرح وعملتي دراما؟"
بصيت للموبايل وضحكت بوجع، وقفلت الجهاز خالص.
ياسين بص لي وقالي: "ماما، أنتي زعلانه عشان كلامهم؟"
قلت له: "لا يا حبيبي، أنا زعلانه على نفسي إني سمحت لهم يوصلوني للمرحلة دي."
رد عليا بجملة عمري ما هنسى شكل نظرة عينيه وهو بيقولها: "اللي يضحك عليكي وهو عارف
بعدها بيومين، إياد أخويا جالي لحد البيت. كان باين عليه التعب والندم، حاول يبرر موقفه وإنه مكنش يقصد وإنه اتفاجئ باللي حصل.
بصيت له وقلت له كلمتين اتنين: "يا إياد، يوم فرحك كان المفروض يكون أكتر يوم تسندني فيه، مش تسيبهم يسنوا سكاكينهم عليا عشان يضحكوا المعازيم. ياسين علمني إن الرجولة مواقف، وأنت للاسف سقطت في الاختبار ده."
قفلت الباب في وشه، وحسيت براحة لأول مرة من سنين.
اكتشفت إن "الأم العزباء" مش محتاجة حد يشفق عليها، هي محتاجة بس إنها تحترم نفسها وتبعد عن أي حد يقلل منها، حتى لو كان أقرب الناس ليها.
أنا وياسين بدأنا حياة جديدة، بعيد عن سموم العيلة وتلقيح الكلام. وبقيت كل ما أبص لابني وهو بيكبر، بشوف فيه الراجل اللي بجد، اللي عرف يحميني بكلمتين وهو لسه طفل، وسط قاعة مليانة "كبار" بس من غير أصل.
عدى كام شهر على اللي حصل، والحياة بدأت تاخد شكل تاني خالص.
إياد فضل يبعت رسايل اعتذار، وأمي كانت بتحاول "تلطف" الجو وتقولي "يا بنتي إحنا أهل ومينفعش نقاطع بعض عشان كلمتين اتقالوا في ساعة لقطة"، بس أنا كنت خلاص، أخدت قراري. اللي يجي على كرامتي ويهينني قدام ابني، ملوش مكان في حياتي، حتى لو كان من دمي.
في يوم، كنت قاعدة مع ياسين بنذاكر، ولقيته
"ماما، أنا مش ندمان على اللي قلته في الفرح، بس أنا عايز أسألك حاجة.. هو إحنا ليه كنا بنروح لهم أصلاً وهما بيعاملونا كدة؟"
سؤاله كان زي القلم على وشي. اكتشفت إني كنت "بجي على نفسي" عشان خاطر صلة الرحم، وعشان ياسين ميبقاش بعيد عن أهله، بس الحقيقة إن البعد عنهم كان هو "الرحمة" الحقيقية.
النتيجة كانت مفاجئة:
شغلي اتطور: التركيز اللي كنت بضيعه في التفكير في كلامهم، حطيته في شغلي، وقدرت أخد ترقية كنت مستنياها من سنين.
ياسين بقى أقوى: مابقاش الطفل اللي بيخاف من نظرات الناس، بقى واثق في نفسه جداً، وكأنه كبر 10 سنين في ليلة واحدة.
دايرة صحابي اتغيرت: بدأت أقرب من ناس بيحبوني بجد، ناس بتقدرني كـ "بني آدمة" مش كـ "حالة اجتماعية".
في ليلة، جالي تليفون من خالة ليّا، قالت لي إن "هنا" وإياد حياتهم مش مستقرة، وإن المشاكل بدأت تظهر بينهم من أول أسبوع، وإن العيلة كلها بقت سيرة على كل لسان بعد اللي ياسين عمله.
بصيت لياسين وهو نايم في هدوء، وحسيت بانتصار حقيقي. الانتصار مش إن حياتهم باظت، الانتصار إني خرجت ابني من الدايرة المسمومة دي قبل ما يتعدي منهم.
قفلت الموبايل، ونمت وأنا مرتاحة. عرفت إن "الأم العزباء" مش محتاجة حد يكملها، هي "كاملة" بكرامتها، وبتربيتها لراجل بجد زي ياسين.
دي كانت النهاية.. نهاية الوجع وبداية حياة مفيهاش