البيت مش للبيع حكايات صافي هاني
المحتويات
يا بنتي، البيت ده مش حيطان، ده كرامتك اللي حاولت أحميهالك وأنا مش موجودة. لو يوم جم يكسروكي فيه، افتكري إنك القبطان، والقبطان مبيسيبش سفينته تغرق عشان شوية رياح عابرة.
في اللحظة دي، جالي إخطار على الموبايل برقم غريب. كانت رسالة من أختي إحنا آسفين يا نور، أبوكي ضغطه علي وممكن يروح فيها، البيت ليكي والله ما هنقرب منه تاني، بس خرجينا من هنا، إنتي بقيتي جبروت كدة ليه؟
مسحت الرسالة وعملت بلوك. الجبروت مش إني حبستهم، الجبروت هو إني قررت أخيراً إني أعيش مكاني الآمن اللي جدتي سابتهولي، حتى لو كان التمن إني أبقى لوحدي تماماً.
قمت وقفت، لبست كاب الشغل بتاعي، وبصيت لصورة جدتي وغمزت لها الواجب اتعمل يا ست الكل.. والقلب لسه نضيف، بس مبيتعصرش عليه لمون تاني.
خرجت وقفلت باب البيت بالمفتاح، ركبت عربيتي واتجهت للقاعدة البحرية. ورايا عيلة بتتحاسب على سنين القسوة، وقدامي بحر واسع مبيخونش حد بيعرف يعوم فيه.
بعد أسبوع، كنت واقفة في مكتبي في القاعدة البحرية، قدامي البحر ملوش آخر، بس عقلي كان لسه في سيلفر ريدج. تليفون المكتب رن، كان مأمور القسم اللي فيه أهلي.
يا فندم، والد حضرتك طالب يقابل سيادتك لآخر مرة قبل ما المحضر يتحول للنيابة.. بيقول إنه عنده كلمة
روحت. مش ضعف، ولا حنين.. كنت عايزة أشوف الوش اللي كان بيخوفني وأنا طفلة، واصل لفين دلوقتي.
دخلت غرفة التحقيق، كان قاعد، ضهره محني، وشعره شاب أكتر من الأسبوع اللي فات. أول ما شافني، مرفعش عينه في عيني. فضل باصص للأرض وقال بصوت مبحوح كنتي دايمًا ناشفة.. طالعة لجدتك. بس مكنتش متخيل إنك توصلينا للحديد يا سيادة القائد.
رديت ببرود إنت اللي اخترت السلاح يا حاج، أنا بس اخترت القانون.
هنا رفع عينه، وكانت مليانة غل لسه منطفيش البيت ده مش هتهني بيه.. أختك سقطت من الرعب، وأمك مبطلتش عياط. إنتي كسبتي البيت، بس خسرتي اللي باقي من دمك. مبروك عليكي الحيطان الباردة.
مردتش عليه. سبته وخرجت. كلمت المحامي وطلبت منه يتنازل عن محضر الضرب رأفة بحالة والدتي الصحية، بس بشرط واحد يمضوا على إقرار بعدم تعرض نهائي، وتعهد بترك المحافظة كلها.
رجعت البيت بالليل، الجو كان هادي، بس وأنا بفتح الباب، حسيت بحركة ورا الشجر. إيدي راحت تلقائيًا لكتفي، ووقفت مكاني.
مين هناك؟
طلع شاب صغير، ميكملش عشرين سنة، كان شايل شنطة هدايا بسيطة. أنا ابن الجيران يا سيادة القائد.. جدتي كانت صاحبة جدتك الله يرحمها. سابتلي الأمانة دي وقالتلي أسلمها ليكي
فتحت الشنطة، لقيت فيها شتلات ورد ليلك صغير، ومعاهم ورقة مكتوب فيها البيوت اللي بتتبني بالوجع، بتحتاج ورد جديد عشان تطرح فرح.
في اللحظة دي، ولأول مرة من سنين، دموعي نزلت. مكنتش بعيط على عيلتي اللي ضاعت، كنت بعيط على البنت الصغيرة اللي استنت سنين عشان حد يطبطب عليها ويقولها إنها مش لوحدها.
دخلت البيت، زرعت الشتلات في الجنينة تحت ضوء القمر. الصبح، جالي جواب رسمي.. قرار بنقلي لمهمة دولية في عرض البحر لمدة 6 شهور.
بصيت للبيت، وبصيت للبحر.
قفلت الشبابيك كويس، علقت مفتاح البيت في السلسلة اللي في رقبتي، وقولت لنفسي البيت هيستناني.. وأنا هعرف أرجع له، بس المرة دي وأنا شايلة رتبة جديدة، وقلب مبيخافش من الموج.
نزلت وركبت عربيتي، وفي المراية شفت سيلفر ريدج وهو بيصغر ورايا، بس ريحة الليلك كانت لسه في هدومي، كأن جدتي ماشية معايا في كل خطوة.
بعد 6 شهور في عرض البحر، وسط الملح والعواصف وصوت الموتور اللي مبيسكتش، رجعت سيلفر ريدج. كان جوايا خوف غريب إن البيت يكون اتسرق، أو حد من أهلي كسر التعهد ورجع تاني.
وصلت قدام البيت الساعة 2 بالليل. ركنت العربية ونزلت، الدنيا كانت هسس. أول ما رجلي لمست أرض الجنينة، شميت ريحة غريبة.. مش ريحة تراب وبيت مهجور،
بصيت تحت في الأرض، شتلات الليلك اللي زرعتها قبل ما أمشي كانت كبرت وبقت شجر صغير مالي المكان، وكأن البيت كان بيتنفس طول ما أنا مش موجودة. فتحت الباب، دخلت ورميت شنطتي، وولعت النور.
كل حاجة كانت زي ما هي، بس فيه حاجة ناقصة.. الهدوء.
سمعت خبط خفيف على الباب الخلفي اللي بيطل على الجنينة. سحبت سلاحي الميري من الجراب بحذر، وقربت من الستارة.. شفت خيال حد واقف برا.
فتحت الباب فجأة ووجهت السلاح إثبت مكانك!
لقيتها أختي.
كانت واقفة، وشها شاحب، وخاسة للنص، وماسكة في إيدها طفل صغير لسه مولود. أول ما شافت السلاح، صرخت ووقعت على ركبها وهي بتعيط م تضربيش نار يا نور.. أنا لوحدي، والله لوحدي!
نزلت السلاح وأنا قلبي بيدق بغل ولخبطة إيه اللي جابك هنا؟ وإزاي دخلتي المحافظة أصلًا؟
قالت وهي بتشهق أبوكي طردني.. لما عرف إني مكملة في الحمل والطفل جيه، قالي إني بقيت عالة عليه زي ما كنتي إنتي. قالي روحي للقبطانة اللي حبستنا خليها تنفعك. ملقيتش حتة أروحها يا نور، قعدت قدام باب البيت تلات أيام مستنياكي ترجعي.
بصيت للطفل اللي كان نايم في حضنها ولا حاسس بالدنيا.. كان فيه ملامح من جدتي. البرود اللي بنيته في 6 شهور في البحر بدأ يسيح قدام منظر العيل.
قولتلها
متابعة القراءة