البيت مش للبيع حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

هبة، لو لمحتي حد من أهلك إنك هنا، أو لو فكرتي تلعبي بديلك، هرميكي في القسم بالطفل ده، فاهمة؟
دخلت وهي بتبوس إيدي فاهمة، والله فاهمة.. أنا خدت درسي وزيادة.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت ضحك طفل صغير في الصالة. خرجت لقيت أختي منضفة البيت كله، وعاملة فطار ريحته فكرتني بأيام زمان. بصيت لصورة جدتي اللي على الحيطة، حسيت إنها بتضحك لي، كأنها كانت عارفة إن المكان الآمن ده مش ليا لوحدي، ده لكل حد الدنيا قست عليه وملقاش ملجأ.
قعدت على السفرة، شيلت ابن أختي على رجلي، وبصيت لأختي وقولت لها البيت ده هيفضل مفتوح بشرط.. إن مفيش شومة تدخل هنا تاني، لا حقيقية ولا بالكلام. البيت ده ملك القائد، واللي هيمشي فيه هي كلمتي أنا.
هزت راسها بالموافقة وهي بتعيط من الفرحة. وفي اللحظة دي، عرفت إن المعركة الحقيقية مكنتش في البحر ولا في المحاكم.. المعركة كانت إني أقدر أفتح بابي تاني من غير ما أخاف
إن حد يكسرني.
أنا القائد نور، وده بيتي.. ودي عيلتي الجديدة اللي هبنيها على نضافه.
الهدوء اللي رجع للبيت مكنش هدوء استسلام، كان هدوء الهدنة. أختي كانت بتتحرك في البيت زي الخيال، خايفة تلمس حاجة تزعلني، والطفل الصغير اللي سمته ياسين على اسم جدتي لو كانت راجل بقى هو الصوت الوحيد اللي بيملى الفراغ.
بعد أسبوعين، جالي جواب رسمي على البيت، بس المرة دي مكنش من القاعدة البحرية.. كان من مصلحة السجون.
والدك تعبان، وفي أيامه الأخيرة، وطالب يشوفك.
بصيت للورقة بجمود. أختي شافتني وأنا ماسكة الجواب، قربت مني بتردد وقالت نور.. هو عمل كتير، بس في الآخر هو اللي جابنا الدنيا. روحي شوفيه عشان تقفلي الصفحة دي وانتي مرتاحة.
روحت المستشفى التابع للسجن. دخلت الأوضة، كان متوصل بأجهزة كتير، ووشه اللي كان دايمًا غضبان بقى هادي وضعيف جداً. أول ما شافني، حاول يبتسم، بس الابتسامة طلعت مكسورة.
قال بصوت
واطي كنت عارف إنك هتيجي.. الرتبة اللي على كتفك دي، علمتك الانضباط، بس قلبي كان بيقولي إنها معتمتش عينك عن الحق.
وقفت بعيد عنه وقولت أنا جيت عشان أسمعك، مش عشان أسامحك يا حاج. المسامحة دي عند ربنا.
طلع من تحت المخدة مفتاح قديم مصدي، ومدهولي بإيده اللي بتترعش المفتاح ده بتاع خزنة صغيرة في ورشة السباكة.. فيها ورق الأرض اللي جدتك كانت فاكرة إنها ضاعت. الأرض دي بتاعتك يا نور، حقك اللي حاولت أخفيه عنك عشان أجبرك ترجعي الورشة وتعيشي تحت طوعي. أنا كنت فاكر إن السيطرة هي الحب، بس اكتشفت إني كنت بهد كل حاجة بحبها.
خدت المفتاح وأنا ساكتة. كمل كلامه وهو بيغض عينه خلي بالك من أختك.. هي ضعيفة، بس انتي السند. البيت اللي جدتك سابتهولك، امليه عيال وضحك، متخليهوش ميري زي حياتك.
خرجت من المستشفى وأنا حاسة بتقل انزاح من على صدري. روحت الورشة القديمة، فتحت الخزنة، ولقيت ورق الأرض فعلاً، ومعاه
صورة ليا وأنا صغيرة وأنا لابسة لبس البحرية وبضحك.. صورة كان مخبيها طول السنين دي وكأنه كان فخور بيا في السر وهو بيكسرني في العلن.
رجعت البيت، لقيت أختي مجهزة العشا، وياسين الصغير بيحبو على السجادة. قعدت معاهم، وحكيت لهبة على اللي حصل.
الأرض دي هنبني عليها مشروع صغير ليكي يا هبة، عشان تعتمدي على نفسك.
بصتلي بذهول بجد يا نور؟ يعني مش هتطرديني؟
ضحكت لأول مرة من قلبي وقولت لها القائد مبيسيبش حد من طاقمه ورا ضهره، طالما اتعلموا الانضباط.
في الليلة دي، حلمت بجدتي وهي واقفة في الجنينة، لابسة أبيض في أبيض، وبتبتسم لي وهي بتبخ ريحة لافندر في الجو. صحيت الصبح، فتحت الشبابيك كلها، والشمس دخلت نورت كل ركن في سيلفر ريدج.
أنا مش بس كسبت البيت، أنا كسبت نفسي، ولقيت القوة إني أصلح اللي غيري كسره. الحكاية بدأت بشومة ووجع، وانتهت بعيلة جديدة بتتبني على الصراحة.. والبيت الأبيض الصغير بقى
فعلاً مكاني الآمن.

تم نسخ الرابط