طرد ام وطفليها بلا ماوي

لمحة نيوز

اللي باعنا خسر دلعنا
​الشمس كانت بتكوي كتافي كأنها حمل تقيل مبيخلصش، وأنا رافعة إيدي عشان أداري وش بنتي اللي لسه يدوب مولودة من شمس "عز الضهر" الحامية، رغم إن دراعي كان بيرعش من التعب والخوف المكتوم اللي مش عايزة أعترف بيه لنفسي.
​إيدي التانية كانت ماسكة بقوة في إيد ابني اللي عنده 5 سنين، وصوابعه كانت متشبثة فيّ بيأس، كأنه فاهم بقلبه الصغير إن في حاجة كبيرة اتكسرت دلوقتي، رغم إنه لسه مش عارف يشرح الرعب اللي مالي صدره.
​ورانا، باب الشقة اتهبد بهبدة رنّت في الشارع كله، ورغم إني مبصيتش ورايا وقتها، بس كنت حاسة بتقل الظلم كأنه جبل على ضهري.. إحساس مرافقني من سنين.
​لما بصيت أخيرًا، لقيت حماتي واقفة في البلكونة ومربعة إيدها، ونظرتها باردة كأنها بتطرد حشرة من بيتها مش بني آدمة.. كانت بتبصلي كأن طردي من حياتهم ده "مشوار" تقيل وخلصت منه أخيرًا ومرتاحة.
​قالت بصوت حاد يقطع القلب: "كنتي لازم تفهمي مقامك

قبل ما تعملي مشاكل في العيلة دي".. صوتها كان فيه رفض غريب، زي ما الناس بتتكلم عن حاجة خلاص مبقتش تهمهم ولا تلزمهم.
​الكلمات وجعت أكتر مما كنت أتخيل، مش عشان هي جديدة عليّ، لا.. عشان الطريقة اللي قالت بيها "العيال دول"، كأن الروحين اللي في إيدي دول أغراب مش من دمها ولحمها!
​دورت بعيني وراها، كنت عمالة أتحايل على نظرة واحدة.. أي حاجة من الراجل اللي وعدني في يوم إنه هيفضل ضهري وسندي مهما حصل.
​جوزي كان واقف هناك، ورا أمه بالظبط، جسمه متخشب وبعيد، وعينه باصة في السما فوق راسي، كأنه لو مابصش في عيني يبقى كدة ملوش ذنب في اللي بيحصل.
​قال بصوت ميت، لا فيه حنية ولا حتى تردد: "انتي لازم تمشي دلوقتي".. وفي اللحظة دي، نبرة صوته الهادية وجعتني أكتر من لو كان زعق أو ضربني.
​ضحكت ضحكة مكسورة وقصيرة، الموقف كان سريالي لدرجة إني مش عارفة أرد إزاي، رغم إن الحقيقة المرة كانت واضحة زي الشمس.
​سألته وصوتي أرفع وأضعف
مما كنت عايزة: "أروح فين؟".. وابني ضغط على إيدي أكتر كأنه بيستعد للي جاي.
​حماتي ميلت رأسها ببرود وقالت: "كلمي أهلك يلموكي".. لوت بؤها بابتسامة صفرا مفيهاش ريحة الرحمة.
​الكلمة فضلت محشورة في ودني.. أهلي؟ ما هو ده اللي كان المفروض يبقى "أهلي"، اللي واقف ساكت وبيتفرج عليّ وأنا بتطرد.
​قلت بهدوء وصوتي بيترعش: "ده كان بيتي وعيلتي".. بس وأنا بقولها، كنت حاسة إن كل حاجة بتنهار خلاص.
​ردت عليا من غير تفكير: "إنتي اللي جبتيه لنفسك".. وحسيت وقتها إن في باب جوايا اتقفل للأبد.
​اللحظة اللي ماباقاش فيها حاجة تانية تروح
​ابني بصلي وعينه حمرا من كتر ما حبس دموعه، وقال بصوت واطي قطع قلبي: "ماما.. إحنا هنروح بيتنا إمتى؟"
​بلعت ريقي بصعوبة وحاولت أخلي صوتي ثابت عشان ميخافش، رغم إن عقلي كان بيشطب ومفيش أي حل قدامي.
​قلتله: "إحنا رايحين مكان أحسن وأمان يا حبيبي".. أصل الأم ساعات لازم تمثل القوة وتبيع اليقين لعيالها
وهي مش حيلتها صرخة.
​الحقيقة إني لا كان معايا عربية، ولا خطة، ولا حتى مليم في جيبي.. كل حاجة كنت معتمدة عليها اتسحبت مني بالراحة قطعة قطعة، لحد ما لقيت نفسي في الشارع "ملط".
​بطارية الموبايل كانت بتموت، وتحويشة عمري كلها كانت في حسابات أنا أصلاً مكنتش بعرف أسحب منها، والناس اللي أعرفهم يا إما بعيد يا إما حالهم يغم وما يقدروش يشيلوا شيلتي.
​عدلت الطفلة الصغيرة على صدري، كانت بتتحرك براحة ونفسها دافي على جلدي.. كأنها بتفكرني إن مهما الدنيا اسودت، أنا مينفعش أقع دلوقتي.
​في اللحظة دي، سمعت صوت عربية بتهدي في أول الشارع.. صوت هادي وفخم، نوع العربيات اللي يخليك تنتبه غصب عنك.
​العربية وقفت قدامي بالظبط، لونها الأسود كان بيلمع تحت الشمس بطريقة غريبة.. الإزاز نزل بالراحة.
​وخرج صوت راجل هادي بس فيه لهجة أمر، كأنه عارف كل حاجة:
"اركبي.. اخلصي قبل ما يغيروا رأيهم ويخلوها أسوأ من كدة."

كمالة الحكاية: "الصدمة

اللي قلبت الترابيزة"

تم نسخ الرابط