طرد ام وطفليها بلا ماوي

لمحة نيوز


​ركبت العربية وأنا جسمي كله بيترعش، مش عارفة أنا رايحة فين ولا مين الراجل ده، بس أي مكان كان أرحم من الوقفة قدام البيت اللي اتهنت فيه. الراجل فضل ساكت، ملامحه كانت حادة بس مريحة، لابس بدلة شيك وعيونه فيها نظرة حد فاهم كل حاجة بتحصل.
​بعد شوية، وقف قدام مكتب محاماة كبير في وسط البلد، وبصلي وقال جملة خلت قلبي يقف:
"انتي مش عارفة أنا مين صح؟ أنا المحامي بتاع والدك الله يرحمه."
​بصيت له بذهول.. والدي توفى من سنين وسابلي ورث بسيط جوزي كان دايماً يقولي إنه خلص في مصاريف البيت والولادة.
​المحامي كمل كلامه: "والدك الله يرحمه كان عارف إن جوزك وطمعه ملهومش أمان، فعمل أمانة مقفولة متتفتحش إلا في حالة واحدة.. لو جوزك طردك أو حاول يبيع البيت. البيت اللي هما طردوكِ منه ده، والأرض اللي حواليه، وكل القرشين اللي جوزك عايش بيهم.. كل ده مكتوب باسمك إنتي يا بنتي، وبعقد (هبة) لا يجوز الرجوع فيه."
​نزلنا من العربية ودخلنا المكتب، وطلع لي ورق يخلي الواحد يدوخ. "الفيلا" اللي حماتي بتطردني منها، هي أصلاً ملكي أنا! والأرض اللي جوزي فاتح عليها مشروعه، هي ملكي أنا!
​المحامي بصلي بابتسامة نصر وقال: "دلوقتي تقدري ترجعي بيتك، بس المرة دي وإنتي اللي معاكي المفاتيح.. وهما اللي هيخرجوا."
​العودة: "صاحب البيت وصل"
​رجعت البيت في نفس اليوم، بس المرة دي ومعايا المحامي واتنين رجالة "هيبة". وقفت قدام الباب وخبطت. حماتي فتحت وهي لسه شايلة نفس نظرة الغل، وقالت بصوت عالي: "إنتي إيه اللي جابك تاني يا وش الفقر؟ مش قلنا مش عايزينك؟"
​جوزي خرج من وراها وهو بيزعق: "إنتي معندكيش دم؟ اطلعي بره بدل ما أطلبلك البوليس!"
​المحامي خطى خطوة لقدام وطلع ورق مختوم بختم النسر وقال ببرود: "اطلب البوليس يا

أستاذ، ياريت.. عشان يخرجكم من هنا، لأن الهانم هي صاحبة البيت ده قانوناً، ومعانا أمر طرد ليك وللوالدة لأنكم بتشغلوا مكان مش بتاعكم وبدون وجه حق."
​وش جوزي قلب ألوان.. وحماتي رجلها مكنتش شايلاها. حماتي بدأت تصوت: "ده بيت ابني! شقا عمره!"
المحامي رد عليها: "لأ يا ست الكل، ده شقا والدها، وابنك كان مجرد ضيف، والضيف لما يقل أدبه.. بنقوله مع السلامة."
​بصيت لجوزي اللي كان بيحاول يلحس كلامه ويقولي "يا حبيبتي كنا بنهزر، ده غضب شيطان"، بس في اللحظة دي كنت خلاص نضفت منه.
​قلتله بكلمة واحدة هزت الشارع كله:
"الشنط اللي جهزتها لي عشان أترمي في الشارع، خدها وإنت خارج.. إنت وأمك. والبيت ده ميتنطقش فيه اسمك تاني."
​خرجوا وهما بيجروا ديول الخيبة وراهم، وقفلت الباب ورايا وأنا حضنة عيالي.. المرة دي، مش بخوف، المرة دي وأنا عارفة إن حقي رجعلي تالت ومتلت.
​اللي يبيعك بالرخيص.. باعه ببلاش ولا تندم عليه.
الضربة القاضية: "كشف المستور"
​فتحت عيني على وسعها، والورق في إيدي بيترعش.. المحامي بصلي بنظرة كلها ثقة وقال: "والدك كان قارئ الفاتحة على روح ابنه (جوزك) من زمان، كان عارف إن عينه فارغة ومالوش أمان، فعمل (وقف) وحط كل ممتلكاته في صندوق ائتماني باسمك وباسم عيالك.. حتى المحل اللي جوزك فاتحه وبياكل منه شهد، الأرض بتاعته طلعت ملكك من ٥ سنين."
​المحامي كمل وهو بيعدل نضارته: "هما افتكروا إنك غلبانة ومالكيش ضهر، بس الحقيقة إنك إنتي اللي كنتِ "الست الهانم" وهم مجرد ضيوف تقال على قلبك وقلب مالك.. ودلوقتي، إحنا مش هنروح نستخبى، إحنا هنروح نسترد اللي ضاع."
​المواجهة: "المفاتيح في إيدي"
​بعد ساعة بالظبط، العربية السودة وقفت قدام البيت تاني. حماتي كانت لسه قاعدة في البلكونة بتشرب شاي ومنتشية
بانتصارها الوهمي، وجوزي واقف جنبها بيضحك. أول ما شافوني نازلة من العربية، حماتي وقفت وصوتها جاب لآخر الشارع: "يا دي النيلة! هي لزقة؟ يا بت اطلعي بره بدل ما أسيب عليكي الكلاب!"
​جوزي نزل السلم بجري وهو بيزعق: "إنتي إيه اللي رجعك يا هانم؟ مش طردناكِ؟ عايزة تتهاني أكتر من كدة؟"
​المحامي نزل من العربية بكل هيبة، وطلع المحضر الرسمي وأمر التنفيذ، وقال بصوت جهوري: "لم الدور يا أستاذ.. البيت ده والفيلا دي والأرض اللي وراها، ملك السيدة (هناء) بموجب عقود مسجلة، وإحنا معانا أمر إخلاء فوري ليك وللوالدة."
​الضحكة اتجمدت على وش جوزي، وحماتي نزلت تجري وهي مش مصدقة: "إخلاء مين يا راجل يا خرفان أنت؟ ده بيت ابني وتعيشنا فيه ملك!"
​المحامي رد ببرود وهو بيسلمني المفاتيح الجديدة: "ابنك كان عايش هنا "منحة" من والد السيدة هناء، ولما طردها النهاردة، المنحة انتهت.. اطلعي يا مدام لمي هدومك إنتي وابنك، لأن البوليس على وصول لتنفيذ الإخلاء."
​بصيت في عين جوزي اللي كانت مليانة رعب وذل، وبصيت لحماتي اللي بدأت تولول وتقول: "يا حبيبتي يا بنتي، ده غضب شيطان، إحنا أهل!"
​رديت عليها بنظرة أبرد من التلج:
"الأهل مابيرموش ضناهم في الشمس.. والأهل مابينكروش دمهم. الشنط اللي حطيتوا لي فيها هدومي، فضيتها ورميتها في الشارع.. روحوا لموا فيها "بقايا" كرامتكم واخرجوا من بيتي."
​دخلت بيتي، وقفلت الباب بالمفتاح.. المرة دي السكرة راحت وجت الفكرة، وعرفت إن اللي معاه ربنا، عمره ما يبيت في الشارع.
الستارة الأخيرة: "اللي يحسب الحسابات.. يكسب في الآخر"
​حماتي بدأت تخبط على الباب بهستيريا وهي بتصرخ: "يا هناء افتحي! دي لقمة عيشنا، ده المحل اللي ابنك هياكل منه!".. وجوزي واقف وراها، وشه جاب ألوان الطيف، مكسور
وذليل بعد ما كان من ساعة واحدة عامل فيها "سي السيد".
​بصيت من العين السحرية، وقلت بصوت واثق سمعه الشارع كله:
"المحل هيتقفل بالشمع الأحمر لحد ما يتم جرد كل قرش دخل فيه من ورايا، والبيت ده عتبته محرمة عليكم.. إنتوا بعتوا الغالي بالرخيص، ودلوقتي الرخيص ملوش مكان وسط الأصول."
​المحامي وقف جنبهم وهو بيشاور لرجال الأمن بتوعه يشيلوا الشنط المرمية في الجنينة: "يلا يا أستاذ، يلا يا ست الكل.. العربية مستنية تنقلكم لأي لوكاندة، لأن من اللحظة دي أي محاولة دخول هنا هتتحسب (اقتحام ملكية خاصة) وحبس."
​الفجر الجديد: "حق العيال"
​دخلت الصالة الكبيرة، قعدت ابني على الكنبة اللي كان خايف يقعد عليها من حماتي، وحضنت بنتي اللي نامت أخيراً في هدوء بعيد عن حرارة الشمس.
​ابني بصلي وهو مش مصدق: "ماما.. إحنا مش هنمشي تاني؟"
بست راسه وقلتله: "لا يا حبيب ماما، إحنا اللي هننور البيت ده، والبيت ده ملكك وملك أختك.. مفيش حد يقدر يرفع عينه فيكم طول ما أنا عايشة."
​المحامي خبط خبطة خفيفة على الباب قبل ما يمشي، وقال لي جملة عمري ما هساها:
"والدك كان دايماً يقول: (بنتي طيبة بس حقها مش هيضيع)، وكان عنده حق.. الطيب ملوش مكان وسط الديابة، بس لما بياخد حقه، بياخده بالشرع والقانون."
​طلعت البلكونة، بصيت على الشارع الفاضي بعد ما العربية اللي خدت جوزي وأمه مشيت.. حسيت إن الهوا بقى أخف، وإن الشمس اللي كانت بتحرق كتافي من شوية، بقت دلوقتي دافية وبتمسح على قلبي.
​أدركت وقتها إني مكنتش "مطرودة"، أنا كنت بس بخرج من "سجن" هما بنوه حواليا سنين، عشان أرجع لبيت هو أصلاً بتاعي، بس المرة دي وأنا "صاحبة الملك" مش مجرد "خدّامة" فيه.
​النهاية: اللي يخرج من حياتك بإرادته وهو ظالمك، سيب له الباب مفتوح.. بس
إياك تخليه يرجع تاني حتى لو باس إيدك.

تم نسخ الرابط