الطفل المعجزه من حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

"أنا داخل أغسل رِجل بنتك.. وهتمشي تاني على رجليها."
​الغني ضحك بـ "أونطة".. ولحد ما فجأة، الضحكة وقفت في زوره.
​الأرق ده عامل زي الساقية اللي مبتخلصش.
​بقى له سنتين، "مايكل" بيقضي لياليه صاحي في هدوء أوضته في "الزمالك"، بيسمع نفس الصوت الواطي اللي بيتكرر كل ليلة: تزييقة الكرسي المتحرك وهي ماشية براحة في الطرقة كل ما "إيما" تعوز تروح الحمام، أو لما "لورا" (مراته) تعدل لها وضعيتها عشان رجليها ميتنملش.
​ليلة ورا ليلة، مايكل بيفضل باصص في السقف، وعقله شغال "سينما" مبتقفلش: طب لو كنا روحنا المستشفى بدري شوية؟.. طب لو كان مجرد التهاب وهيمشي؟.. طب لو الدكتور مكنش قال كلمة "عجز نهائي" بالبرود ده، كأنه واحد مش هو اللي هيعيش بالوجع ده طول عمره.
​يوم الثلاثاء الصبح، مايكل غصب نفسه على الروتين. البدلة "على سنجة عشرة". الهالات السوداء اللي تحت عينه مداريها ورا كوباية القهوة. "إيما" كانت خلاص في كرسيها، لابسة الفستان الأصفر اللي بتحبه.. اللي كانت دايماً تقول عليه "شبه الشمس". التوكة بتاعتها كانت معووجة شوية، وعنيها كان فيها نظرة استسلام هادي، أكبر من سنها بكتير.
​"جاهزة يا

برنسيسة نروح لدكتور جديد؟" مايكل سألها بحنية وهو بيحاول يخلي صوته ميهتزش.
​إيما بصت له بهدوء. مفيش دموع، مفيش شكوى. وهي عندها 5 سنين، كأنها اتعلمت معنى "الرضا باللي انكتب" من غير ما حد يشرحه لها.
​"اللي إنت عايزه يا بابا."
​الرد البسيط ده كسر جواه حاجة كان بيحاول يرممها بقاله شهور.
​نزلوا وركبوا العربية الـ 4x4، وأول ما مايكل دور العربية، لمح ولد واقف قدام بوابة الفيلا. عنده 8 سنين، يمكن 9. بشرته سمرا من شمس الشوارع، وشعره كيرلي، وعينه سودة زي الليل. كان لابس تيشيرت أحمر باهت وواسع عليه قوي، وكوتشي مربوط بـ "عُقد" غريبة.
​الولد مكنش بيشحت.
​ولا كان بيمثل إنه غلبان عشان يصعب عليهم.
​بالعكس، كان باصص للكرسي المتحرك بنظرة حد فاهم الوجع ده كويس.. وكأنه حاسس بيه.
​مايكل كان خلاص هيمشي ويطنش. اتعلم يقفل قلبه قدام أي "أمل كداب" نهايته دايماً خبطة قوية في الحيط.
​بس الولد قرب من شباك العربية بإصرار.
​"يا بيه.. ممكن دقيقة واحدة بس؟"
​مايكل نزل الشباك، والفضول غلب استعجاله.
​"عايز إيه؟ أنا مستعجل."
​الولد شاور بهدوء على رجل إيما اللي تحت الفستان.
​"أنا ممكن أغسل لها رجليها.
. وهتمشي تاني."
​مايكل فكها ضحكة عالية، بس ضحكة ناشفة وطعمها مر. الفكرة كانت هبلة.. لا دي كانت "قاسية" كمان. دفعوا دم قلبهم على الدكاترة وخلصوا كل رصيدهم من الإيمان بالمعجزات.
​"يا ابني.. أنا مش فاضي للحوارات والاشتغالات دي، وبعدين—"
​"دي مش اشتغالة يا بيه،" الولد قاطعه بمنتهى الهدوء. "ستي هي اللي علمتني. كان اسمها 'ستيتة'. في بلدنا كانت بتعالج الناس ببركة ربنا. علمتني إزاي أستخدم الأعشاب ومساج معين. لو منفعش، اطردني. بس لو نفع.."
​ثبت عينه في عين مايكل من غير ما يرمش.
​".. البرنسيسة دي هترجع تجري وتلعب تاني."
​لأول مرة من شهور، مايكل حس بحاجة غريبة في صدره. مش وجع.
​كان "أمل".
​أمل من النوع الخطر اللي ممكن يكسرك لو طلع فاشوش.
​إيما مالت براسها قدام شوية.
​"بابا.. هو مين ده؟"
​الولد ابتسم ابتسامة دافية، وفجأة ملامحه قلبت من ولد شوارع لولد زي كل العيال.
​"أهلاً يا برنسيسة. أنا اسمي جوردان.. جوردان ميلر."
​مايكل كشر ونطق بحدة:
​"وإنت عرفت اسمها منين؟"
​جوردان هز كتافه ببساطة:
​"المنطقة كلها عارفة. الست اللي في السوبر ماركت قالت إن بنت الأستاذ أندرسون مابقتش تمشي،
وقالت إنك زعلان قوي عليها."
​مايكل حس بـ "غصة" في حلقه. كان بيكره إن وجعه بقى سيرة على لسان الناس، بس في مصر، الأخبار بتطير أسرع من الصواريخ.
​إيما مدت إيدها بكسوف:
​"إنت بجد ممكن تساعدني؟"
​جوردان نزل على ركبه جنبها:
​"أقدر أحاول. بس إنتي كمان لازم تعوزي ده. ستي كانت تقول إن الرجلين ساعات بتبقى ناشفة.. بس القلوب بتبقى أنشف."
​مايكل بص لبنته.. وبعدين بص للولد.
​وخد قرار.. مش قرار رجل أعمال بيحسبها بالورقة والقلم.
​خد قرار "أب" بيتعلق بقشة.
​"ماشي. بس هنعمل كدة بالأصول. مراتي لازم تكون موجودة. ولو لمحت أي حركة كدة ولا كدة، كل حاجة هتوقف فوراً."
​جوردان تردد ثانية:
​"أنا على باب الله يا بيه.. مش عايز مشاكل."
​"لو قدرت بجد تساعد بنتي،" مايكل رد بحسم فاجئ نفسه هو شخصياً، "مش هتبقى غريب في البيت ده تاني أبداً."
​البوابة اتفتحت.
​العربية دخلت الفيلا.
​جوردان كان بيبص للجنينة كأنه في "متحف": نجيل مقصوص بالمسطرة، مياه حمام السباحة بتلمع، ورد متسلق على الحيطان البيضاء. عالم تاني خالص.
​جوه، "لورا" قابلتهم وهي ماسكة مجلة ديكور في إيدها، وعينيها فيها النظرة المطفيّة بتاعة
حد مابقاش يصدق في المعجزات.
​"مايكل.. إيه ده؟ ومين ده؟"

تم نسخ الرابط