اهانة حمايا وكشف السر حكايات صافي هاني
العيال اللي كانت بتلعب وقفت. حمايا حاول يلم الموضوع وقال بلجلجة
أهلاً يا سيادة اللواء.. اتفضل يا فندم، دي آية مرات ابني، بس إحنا كنا...
الراجل قاطعه وبصلي بابتسامة فيها احترام غريب، وقال
أنا مش جاي عشان العزومة يا رأفت. أنا جاي ل آية. بقالي سنين بسأل وبدور لحد ما عرفت إنها قريبة منك.
طلع من جيبه صورة قديمة، كانت ورقة رسمية بهتانة عليها إحداثيات طريق قديم، وقال قدام الكل
في 2011، كان فيه ضابطة صغيرة قاعدة ورا شاشة وسماعات، لقطت إشارة أنقذت كتيبة كاملة من كمين محقق. الكتيبة دي هربت، بس العربية اللي كنت أنا راكبها لحقها طرف الانفجار.. أنا عشت بفضل ربنا ثم بفضل ذكاء البنت دي، وقدرت أربي ولادي وأوصل للرتبة دي.
بص لحمايا اللي كان عرقان وواقف زي التلميذ الخايب، وقال له
إنت كنت بتقول عليها بتاعة مكاتب؟ البنت دي اللي إنت بتقلل منها، هي اللي خلت عيالك يكملوا حياتهم وأبوهم معاهم، لأن العربية اللي اتضربت كانت المفروض تبقى هي البداية لمذبحة لولا إنها حذرتنا في الوقت الصح.
الراجل مد إيده وسلم عليا بحرارة وقال
يا فندم، أنا الصول اللي فقد رجله في اليوم ده، وبقالي 15 سنة نفسي أشكرك وش لوش. شرف ليا إني أقف قدامك.
في اللحظة دي، حمايا رأفت نزل إيده اللي كانت سادة البوابة، وابتعد خطوتين لورا وهو مش قادر يحط عينه في عيني. السلسلة اللي كان بيحاول يكسرها بقاله 18 سنة، اتكسرت هي فوق دماغه.
بصيت لهدوء للصينية
بلاش تستهين بحد مابيردش عليك، لأن الخريطة دايماً بتكشف المستخبي في الآخر.
أخدت شنطتي ومشيت، والمرة دي، ماحدش قدر يمنعني ولا يفتح بقه بكلمة.
حمايا رأفت كان واقف وشه زي الأموات، الألوان رايحة وجاية فيه، والناس كلها عيونها عليه وعلى اللواء اللي كشف المستور. اللواء كمل كلامه وهو بيبص لحمايا بصه كلها احتقار
عارف يا رأفت.. يومها لما جيت تشتكي من آية وتقول إنها بتعطل الشغل وتدقق في التصاريح، أنا كنت فاكرك خايف على مصلحة العمل.. مكنتش أعرف إنك خايف من نظافتها وذكائها اللي كشفوا إن شركتك كانت بتبني مخازن بمواد مغشوشة تحت عذر السرعة.
الهمهمات بدأت تعلى بين القرايب. هاني جوزي قرب مني، مسك إيدي وبص لأبوه بنظرة أول مرة أشوفها في عينه.. نظرة واحد بيفوق من وهم كبير.
حمايا حاول ينطق يا فندم ده سوء تفاهم.. أنا...
اللواء قاطعه بحدة مفيش تفاهم.. الست دي اللي كنت بتقول عليها بتاعة مكاتب هي اللي حافظت على شرف المهنة اللي إنت كنت بتتمسح فيها عشان تلم قرشين. هي اللي حمت عساكر في الوقت اللي إنت كنت بتفكر فيه في عمولتك.
في اللحظة دي، الصمت كان تقيل لدرجة إنك تسمع صوت الهوا. أنا حسيت ب 18 سنة من الوجع والسكوت بيتبخروا. مكنتش محتاجة أزعق ولا أهين حد، الحقيقة قامت بالواجب وزيادة.
أخدت نفس عميق، وبصيت لحمايا
الخريطة اللي والدي علمني أقرأها مكنتش بس للأرض يا يا أستاذ رأفت.. كانت كمان عشان أعرف المعادن الحقيقية. والنهاردة، الخريطة قالت إن مكانك مش هنا، ولا مكاني أنا اللي وسطكم.
بصيت للواء وقلت له شكراً يا فندم، شكرك ده أغلى من أي ترقية أخدتها في حياتي.
لفيت ضهري ومشيت ناحية البوابة اللي كانت من دقايق مقفولة في وشي. هاني ساب إيد أبوه، ومشي جنبي، وفتح لي باب العربية. وقبل ما نتحرك، بصيت من الشباك وشفت حمايا واقف لوحده في وسط الجنينة، والمعازيم بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني وكأن المكان بقى ملوث بريحته.
ركبنا العربية، ومشينا.. ولأول مرة من 18 سنة، حسيت إني مش بس شايلة صينية لحمة، أنا شايلة كرامتي اللي رجعت لمكانها الطبيعي.
وإحنا في الطريق، السكوت كان سيد الموقف، بس كان سكوت مريح، مفيش فيه التوتر اللي كنت بعيشه كل مرة بنرجع فيها من عند أهله. هاني كان ساند راسه على الدريكسيون وهو سايق، وفجأة ركن العربية على جنب، وبص لي وعينه مدمعة وقال
أنا آسف يا آية.. آسف إني سبته يستهلك روحك السنين دي كلها وأنا فاكر إن السكوت هو الحل عشان المركب تمشي. أنا النهاردة بس شفتك بعين تانية خالص.
ابتسمت له وطبطبت على إيده
المركب كانت ماشية يا هاني، بس كانت ماشية في الاتجاه الغلط. المهم إننا وصلنا.
تاني يوم الصبح، التليفون مابطلش رن. أخواته اللي كانوا بيضحكوا
أما حمايا رأفت، فالموضوع مخلصش عند حد الفضيحة وسط العيلة. اللواء اللي جه ده مكنش جاي بس يشكرني، ده كان فاتح ملف قديم لشركة المقاولات بتاعة حمايا، وكلامه في العزومة كان القشة اللي قطمت ضهر الجاموسة. خلال أسبوع، كانت فيه لجنة تفتيش من القوات المسلحة بتراجع كل المواقع اللي شركته استلمتها زمان، واكتشفوا بلاوي في الخامات وتلاعب في العقود.
في يوم، جالي اتصال منه. صوته كان مكسور، مفيش فيه نبرة الاستعلاء ولا الغرور.
يا بنتي.. أنا بضيع.. كلمي اللواء ده يرحمني، إنتي ليكِ خاطر عنده.
رديت عليه بكل هدوء وثبات
عارف يا أستاذ رأفت.. والدي الصول إبراهيم كان دايماً يقولي اللي يغش في المونة، يغش في الأمانة، واللي يغش في الأمانة ملوش خاطر عند حد. أنا ضابط مخابرات، يعني شغلي هو حماية الحق، مش التستر على الغلط.
قفلت السكة وأنا حاسة إني قفلت صفحة سودة من حياتي.
دلوقتي، وأنا قاعدة في جنينة بيتي، بجهز خريطة جديدة لرحلة مع هاني وولادي، عرفت إن الأرض فعلاً مابتكدبش. والزرع اللي زرعته بالصبر والكرامة، طرح في الآخر عدل وفخر، وخلاني أمشي في وسطهم وأنا رافعة راسي، مش بس ك مرات هاني، لا.. ك السيادة العميد آية،