قلق الجده من حكايات صافي هاني
دانيال وشه جاب ألوان، وبدأ يلقلق: "ده.. ده خبطة بسيطة وهي بتلعب، مش عايزين نكبر الموضوع ونبوظ اليوم."
بس "إيفلين" لاحظت إن مراته "ليندسي" واقفة بعيد بتعيط ومنهارة، وأول ما عينهم جت في عين بعض، "ليندسي" شاورت براسها بـ "لأ" كأنها بتستغيث. "إيفلين" فهمت إن الحكاية مش مجرد خبطة، دي مصيبة هما بيحاولوا يداروها، واليوم اللي كان هادي وبسيط، اتحول فجأة لكابوس وهي واقفة في نص جنينتها، بتواجه ابنها عشان تنقذ حفيدتها من سر مش مفهوم.
"إيفلين" ماردتش عليه، وبحركة سريعة سحبت موبايلها من جيب المريلة. "دانيال" ملامحه اتغيرت وبقت قاسية جدًا، وقرب خطوة وهو بيحاول يمسك إيدها: "هتعملي إيه يا أمي؟ بقولك موضوع عائلي وهنحله في البيت، ملوش لزمة الفضايح قدام الناس."
"إيفلين" رجعت خطوة لورا وصوتها كان طالع قوي وهادي لدرجة تخوف: "لو مابعدتش عني دلوقتي يا دانيال، هصوت وألمّ العيلة كلها والحي كله عليك. البنت دي لازم تروح المستشفى حالًا."
في اللحظة دي، "ليندسي" مكنتش قادرة تمسك نفسها أكتر من كدة، وجريت عليهم وهي بتهته: "يا طنط، دانيال كان سايق وهو شارب.. وعمل حادثة بسيطة الأسبوع اللي فات.. خاف يروح المستشفى عشان الرخص ماتتسحبش ويتحبس، فخيط الجرح في البيت عند واحد صاحبه.. ومن ساعتها وصوفي حرارتها بتعلى والوجع بيزيد."
"إيفلين" بصت لابنها بذهول واحتقار، الشخص اللي قدامها ده مكنتش قادرة تصدق إنه ابنها اللي ربته. "عشان خايف على نفسك تضيع بنتك؟ تخيط جرح لطفلة في البيت؟ إنت عارف يعني إيه تسمم دم؟"
"
العيلة كلها انتبهت، والهدوء اللي كان مالي المكان اتقلب لهرج ومرج. "إيفلين" شالت "صوفي" براحة بين إيديها، والبنت استسلمت لحضن جدتها وهي بتهمس: "أنا أسفة يا تيتا إني قلت."
"إيفلين" باست راسها ودموعها نزلت: "ماتتأسفيش يا قلب تيتا، إنتي عملتي الصح."
بصت لـ "دانيال" نظرة أخيرة قبل ما تركب العربية، نظرة كانت بتقول إن اللمة دي كانت آخر لمة، وإن من اللحظة دي، مفيش حاجة هترجع زي الأول تاني. "دانيال" وقف لوحده في نص الجنينة، والشمس اللي كانت دافئة من شوية، بقت كأنها بتحرق كل الكدب اللي حاول يداريه.
العربية طلعت تجري بـ "صوفي" على المستشفى، و"إيفلين" كانت ضماها في حضنها طول الطريق وهي بتدعي بقلب محروق. أول ما وصلوا الطوارئ، الدكاترة اتلموا حوالين البنت، ومجرد ما كشفوا على الجرح، وشوشهم اتقلبت قلق. "تسمم في الدم" بسبب تلوث الجرح، وكان لازم تدخل عمليات حالاً.
ساعات الانتظار كانت أطول ساعات مرت على "إيفلين". "ليندسي" كانت قاعدة في الأرض بتعيط ومنهارة من الندم، و"سامح" أخو دانيال كان بيحاول يهدي الجو، لكن "إيفلين" كانت قاعدة زي الصنم، عينها على باب العمليات وبس.
فجأة، ظهر "دانيال" في طرقة المستشفى، شكله كان مبهدل وعينه حمراء. قرب من أمه وهو بيترعش
"إيفلين" وقفت ووشها كان خالي من أي تعبير، وبصوت واطي ومرعب قالتله: "لو البنت دي حصل لها حاجة، اعتبر نفسك لا ليك أم ولا عيلة، وأنا اللي هبلغ عنك بكلمة مني. إنت مش بس ضيعت أمانتك، إنت قتلت قلبي فيك."
دانيال انهار وقعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه، لأول مرة يواجه حقيقة إنه كان هيضحي ببنت عشان "منظره" وخوفه من السجن.
بعد وقت طويل، الدكتور خرج وهو بيمسح جبينه، وبص لـ "إيفلين" وطمنها: "الحمد لله، لحقناها في آخر لحظة. الجرح كان ملوث جداً، بس جسمها قاوم. هتحتاج فترة علاج وملاحظة، بس هتبقى كويسة."
"إيفلين" أخدت نفس طويل لأول مرة من ساعات، وحست إن روحها ردت فيها. بصت لـ "دانيال" و"ليندسي" وقالتلهم بجمود: "صوفي هتيجي تعيش معايا أول ما تخرج. وإنتوا الاتنين، قدامكم حل من اتنين: يا إما تروحوا تتعالجوا وتعرفوا يعني إيه مسؤولية وأمانة، يا إما المحاكم هي اللي هتفصل بيننا."
المشهد انتهى والنهار بيطلع، "إيفلين" واقفة ورا إزاز غرفتها بتشوف "صوفي" وهي نايمة في هدوء. الشمس المرة دي مكنتش شمس "بروكهيفن" الهادية المزيفة، كانت شمس يوم جديد، فيه الحقيقة بانت، والشر اللي كان مستخبي تحت الفستان الأصفر.. انتهى للأبد.
بعد كام يوم، "صوفي" خرجت من المستشفى ورجعت على بيت جدتها "إيفلين". البيت اللي كان دايماً مليان دفا، بقى دلوقتى هو "الحصن" اللي بيحمي البنت الصغيرة.
"دانيال" حاول يجي البيت أكتر من مرة، كان بيقف قدام الباب بكسرة نفس، يحاول يطلب السماح، بس "إيفلين" كانت
بصتله وقالتله: "يا دانيال، الأبوة مش بس اسم في البطاقة، الأبوة يعني تكون إنت الأمان اللي بنتك بتجري عليه لما تتوجع، مش تكون إنت الوجع اللي هي خايفة تحكي عنه. إنت كسرت أغلى حاجة بين الأب وبنته.. الثقة."
دانيال كان بيبكي بحرقة، ولأول مرة يتكلم بصدق: "أنا كنت أناني يا أمي، الغرور والخوف عموا عيني. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللي عملته."
"إيفلين" ردت عليه بهدوء: "التصليح مش بالكلام. صوفي محتاجة وقت عشان ماتخافش من خيالها، وإنت محتاج وقت عشان تتعلم تكون بني آدم يعتمد عليه. لحد ما ده يحصل، البنت هنا معايا، والزيارة هتكون بمواعيد، وتحت عيني."
ومع مرور الشهور، بدأت "صوفي" تسترد ضحكتها من تاني. رجعت تجري في الجنينة بفستانها الملون، بس المرة دي كانت بتضحك من قلبها، وكل ما تقع أو تتخربش، كانت بتجري على حضن "تيتا إيفلين" وهي عارفة إن ده المكان الوحيد اللي عمره ما هيخبي وجعها ولا هيطلب منها تسكت.
"إيفلين" وهي قاعدة بتبص عليها من بعيد، كانت عارفة إن الجروح اللي في الجسم بتلم، لكن الجروح اللي في الروح محتاجة صبر وحب ملوش حدود. وفعلاً، الست اللي كان عندها 68 سنة، لقت في حماية حفيدتها "مهمة" جديدة خلت لحياتها طعم وتأثير أقوى من أي وقت فات.
العيلة مابقتش زي الأول، بس بقت "أصدق". مفيش أسرار مدفونة، ولا تمثيل قدام الناس. الحقيقة كانت صعبة، بس كانت هي الطريق الوحيد عشان "صوفي" تكبر وهي عارفة إن