حرق الفستان من حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

حرق جوزي فستاني الوحيد قبل حفلة ترقيته.. وبقى هو كابوس حياتي.
أول حاجة لسه فكراها هي الريحة.
​مش ريحة النار، ولا الدخان.. لأ، كانت ريحة "الجاز" النفاذة اللي شقت هوا الليل البارد، وكأن في حاجة غلط حصلت في الكون ده.
​خرجت حافية على البلكونة، وماسكة موبايلي في إيدي، كنت فاكرة إني بيتهيألي، أو يمكن حد من الجيران بيشوي.. يمكن..
​لحد ما شفته.. "أدهم".
​واقف قدام الشواية في الحديقة ولا كأن في حاجة، وبكل برود بيصب جاز على الفستان الوحيد العدل اللي عندي.
فستاني.. اللي شيلت تمنه شهور فوق شهور.. اللي اشتريته عشان الليلة دي كانت المفروض تبقى ليلتنا.
​"أدهم؟" صوتي طلع مهزوز، طالع من كتر الصدمة ضعيف وتايه: "أنت بتعمل إيه؟"
​ما اتهزش، ولا حتى اتخض إني شفته.. ودي كانت أول طعنة.
لا بان عليه ندم، ولا خوف، ولا حتى ذرة شعور بالذنب.. بالعكس، بصلي بضيق وكأني قطعته وهو بيعمل حاجة مهمة.
​ولع الولاعة.. وبحركة واحدة.. "ووشش".. الفستان بقى كتلة نار.
​لمدة ثواني، عقلي وقف.. مش مستوعب اللي شايفه. القماش الكحلي وهو بيكش ويتحول لاسود، الدانتيل وهو بيتحرق وكأنه كائن حي بيتعذب.. والرماد طاير في السما زي الغربان السودا.
​جريت عليه من غير تفكير: "استنى! أنت بتعمل إيه؟!"
​لفلي أخيراً.. كان لابس البدلة "السموكنج" بتاعته، شيك على الآخر، وكل حتة فيه متظبطة بالمللي.
ناقص أقل من ساعة على حفلة ترقيته.. وأنا واقفة قدامه ببنطلون

ترينج وتيشرت بيت، حافية، وبشوف مستقبلي بيتحرق قدام عيني.
​بصلي بنظرة كلها قرف، كأني حتة زبالة لازقة في جزمته.
وقال بكل برود: "خلاص.. بح."
​لا شرح، ولا اعتذار.. "خلاص بح".
​بصيت للنار وزوري واجعني من كتر الخنقة: "ده كان فستاني يا أدهم.. أنا قولتلك إني محتاجاه النهاردة."
​نفخ بضيق وكأني عيلة بتزن عليه: "أيوه، ما هو ده المقصود."
​بربشت بعيني مش فاهمة: "يعني إيه؟"
​مال عليا شوية وهو بيقلب القماش المحروق بحديدة كأنه بيقلب زبالة: "منظرك بيبقى محرج.. إنك تظهري جنبي بالشكل ده.. خلاص، مابقتيش تليقي بالصورة."
​جسمي كله سقع.. مش من برد الليل، لكن منه هو.
"صورة إيه؟" همست وأنا مش مصدقة.
​بص في عيني مباشرة.. وأقسم بالله ما عرفته.
مش ده الراجل اللي اتجوزته.. مش ده اللي كنت بدفعله الإيجار لما كان مفلس وما حيلتوش اللبة.. مش ده اللي اشتغلت تلات شغلانات عشان أصرف عليه وهو بيذاكر وبياخد كورساته.. ده واحد تاني خالص واخد وشه.
​قال بتعالي: "أنا النهاردة بقيت نائب رئيس مجلس الإدارة في شركة 'فانغارد'.. والمنصب ده ما ينفعش معاه.. المنظر ده."
​بص عليا من فوق لتحت ببطء.. على شعري.. لبسي.. إيدي.. كأنه بيعاين بضاعة معيوبة.
"أنتِ مابقتيش تليقي بالمستوى اللي أنا طالعه."
​ضحكت ضحكة مكسورة: "المستوى اللي أنت طالعه؟ يا أدهم أنا اللي كنت بدفع الإيجار لما كنت بتشحت.. أنا اللي بعت صيغتي عشان أكملك مصاريف دراستك.. أنا—"
​رفع
إيده في وشي وكأنه بيسكت بياع سريح: "أيوه، وعارف ومقدر ده جداً.. وعشان كدة بقولك دلوقتي بدل ما أقولك بعدين."
​قلبي سقط في رجلي: "تقولي إيه؟"
​عدل كم بدلتة ونفض الرماد اللي جه عليه: "إنك مش هتيجي الحفلة النهاردة."
​النار كانت عمالة تطرقع بينا، وصوت نبض قلبي كان بيخبط في وداني: "إيه؟"
​طلع من جيب بدلتة دعوة شيك جداً، محفورة بالدهب، شكلها غالي أوي.. وقعد يخبط بيها على إيده بخفة.
"أنا خلاص عزمت حد تاني.. 'فريدة بيه'.. بنت صاحب الشركة.. هي اللي تفهم البرستيج والمكانة اللي أنا بقيت فيها دلوقتي."
​حسيت بخنجر في صدري: "أنت استبدلتني؟" سألت بهدوء مرعب.
​ما رمش حتى، وصحح لي الجملة: "أنا بس حسنت 'الواجهة'."
​الكلمة دي.. "الواجهة". وكأني كنت زاوية وحشة في كادر صورة.
قربت منه وأنا بترعش: "أدهم.. أنا مراتك."
​لأول مرة بان على وشه ملامح، بس مش ندم.. كان زهق ونفاد صبر.
"أنتِ دلوقتي عاطفية زيادة عن اللزوم.. خليكي في البيت وبلاش حركات عيال وتعملي لنا شوشرة.. هبقى أعوضك بعدين."
​ضحكت تاني، بس المرة دي الضحكة كانت بتوجع: "تعوضني؟"
​زفر بضيق: "أنا أصلاً عطيتك كتير.. المفروض تحمدي ربنا، واحدة زيك في مكانك تحلم بس إنها تعرف ناس في رتبتي."
​بصيت له.. وفي لحظة، حاجة جوايا انطفت.
ماتكسرتش.. لا، هي وقفت.. زي مكنة كدة قررت تبطل تشتغل لأنها عرفت إن تصليحها مستحيل.
​"أحرقت فستاني.." قولت ببطء.
هز راسه: "حصل."
"وأهنتني.
."
هز راسه تاني: "كان لازم."
"وفاكر إني هقعد في البيت؟"
​هنا بقى ابتسم.. ابتسامة ثقة مريضة: "أومال هتعملي إيه يعني؟"
​السؤال فضل معلق في الهوا.. تقيل وساخر.
لأنه عارف الإجابة.. فاكر إني ما حيلتيش حاجة.
لا فستان.. لا دعوة.. ولا مكان في عالمه الجديد.
ده اللي كان فاكره..
​لف وضهره ليا وهو بيظبط الساعة بتاعته: "هتأخر لو فضلت أجادلك.. اقفلي وراكي لما تخلصي عياط."
​ومشي من جنبي كأني هوا.. كأني شوية دخان وراه.. كأني ماليش وجود.
​وقفت في صمت والنار بتخلص على آخر حتة في الفستان الكحلي اللي نقيته بكل حب. الرماد طار في الهوا، وحتة منه جت على إيدي.. دافية.. ونهائية.
​وفي اللحظة دي، قلبي اتقلب.. مش غضب، ولا حزن.. حاجة أبرد بكتير.. حاجة دقيقة جداً.
لأن أدهم مش بس حرق فستاني.. أدهم غلط غلطة عمره اللي لسه ما حسش بيها.
​طلعت موبايلي بإيد بتترعش، وجبت رقم ما كلمتوش من سنين.
رقم كنت واعدة نفسي ما أطلبوش أبداً إلا لو قررت أوقف التمثيلية دي وأرجع لحقيقتي.
​صوباعي كان متردد فوق زرار الاتصال.. وبعدين دوست.
رنة.. التانية.. وجه صوت هادي ومؤدب:
"آنسة 'فوزي'.. إحنا ما كناش متوقعين—"
​قاطعته بقوة: "جوزي حرق الفستان اللي كنت هلبسه النهاردة."
​سكت ثانية.. نبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت جدية لدرجة تخوف: "مفهوم يا فندم."
​غمضت عيني لحظة وفتحتها: "جهز لي كل حاجة.. جه الوقت إني أبطل استخبى."
​وفي حتة تانية في القاهرة.. في
قاعة فخمة مليانة رجال أعمال وكاسات شرب..
كان أدهم واقف بيضحك بانتصار..

تم نسخ الرابط