خيانة العائله حكايات صافي هاني
"إنتي قلتيلي بلاش أنكد عليكي في الفرح بالسرطان بتاعي.. وأنا دلوقتي بقولك بلاش تنكدي عليا في (موتي) بطلب العربية بتاعك.. اتفضلوا بره."
ميادة وشها جاب ألوان وقالت بلهجة مهزوزة: "إنتي بتطردينا يا ياسمين؟ إحنا أهلك!"
رديت عليها وأنا بشاور على الباب: "الأهل هما اللي سابوني أروح أخد الكيماوي في ميكروباص لوحدي وأنا برجع دم، مش اللي جايين يركبوا عربية جيب على جثتي.. الباب يفوت جمل."
خرجوا يجروا ذيول الخيبة وراهم، وصوت خناقهم بدأ يعلى في الممر عن "الفضيحة" اللي هتحصل لو الوصية دي اتنفذت. قفلت الباب بالمفتاح، وسندت ضهري عليه ونزلت للأرض وأنا بعيط.. بس المرة دي مكنش عياط قهر، كان عياط راحة.
سيف قعد جنبي وحضني وقال: "ماما، هما كده مش هياخدوا العجلة بتاعتي صح؟"
بسته من راسه وقلت له: "ولا العجلة، ولا البيت، ولا هياخدوا ضحكتنا تاني يا بطل."
العالم فعلاً منتهىش بانفجار، العالم بدأ من جديد بكلمة "لا" في وش اللي ميسواش.
قعدت مكاني على الأرض، وسيف في حضني، سامعة صوت عربيتهم وهي بتدور وتمشي بأقصى سرعة، كأنهم بيهربوا من بيت فيه وباء مش مجرد مريضة بتتعالج. الغريبة إني محستش بوجع، حسيت بوزن جبل واتشال من على صدري. طول عمري كنت "البنك"
بعد يومين، الموبايل م بطلش رن. أمي بعتت رسائل "عتاب" تقلب الحق باطل: "إزاي تكتبي ورقة زي دي؟ إحنا بنحبك، بس كنا بنحاول نخرجك من جو المرض ونشغلك بحاجة تانية!".. وطبعاً ميادة نزلت بوست على الفيسبوك عن "قسوة القلوب" و"الأهل اللي بيبيعوا بعض عشان الفلوس"، والناس داخلة تدعي لها وهي أصلاً كانت عايزة تمضيني وأنا بموت.
عملت "بلوك" للكل. لأول مرة في حياتي أعمل "بلوك" لعيلتي من غير تأنيب ضمير.
ركزت كل طاقتي في الجلسات اللي فاضلة. "هنا" صاحبتي كانت هي الأهل فعلاً؛ كانت بتيجي تسهر معايا، تطبخ لسيف، وتضحكني حتى وأنا مش قادرة أفتح عيني.
بعد ست شهور، كنت واقفة قدام المراية، شعري بدأ ينبت خفيف زي الريش، ووشي بدأ يرد فيه الروح. رحت المستشفى عشان أستلم نتيجة آخر فحوصات. الدكتور ابتسم وبصلي وقال: "مبروك يا ياسمين.. التحاليل زي الفل، إنتي في مرحلة التعافي التام (Remission)".
خرجت من المستشفى، الشمس كانت قوية بس جميلة. فتحت الموبايل، لقيت رسالة من "رأفت" باعتها من رقم غريب: "البيت اللي إنتي قاعدة فيه محتاجين نبيعه عشان ميادة اتجوزت ومحتاجة فلوس،
ضحكت بصوت عالي في نص الشارع. مسكت الموبايل وبعتت رسالة واحدة للكل:
"الورقة اللي سيف وراها لكم كانت البداية بس. المحامي بتاعي رفع قضية حجر على نصيبكم في البيت بسبب محاولات النصب والاستغلال اللي حصلت وأنا عيانة، ومعايا تسجيلات وصور طبق الفاكهة بتاعكم لسه عندي.. اشوفكم في المحكمة."
قفلت الموبايل، وخدت سيف من إيده ورحنا ناكل آيس كريم. السرطان مكسرنيش، السرطان كان "المنظف" اللي غسل حياتي من كل الناس المزيفة. أنا وسيف دلوقتي بنبدأ صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها غير اللي بيحبونا بجد، والباقي.. "مجرد ذكريات في ورقة خزعة قديمة".
عدى سنة كاملة.. سنة كانت أول مرة أحس فيها بطعم النفس اللي داخل خارج من غير هم. شعري طول وبقى لونه أسود تقيل، ورجعت شغلي بتركيز وقوة مكنتش عندي قبل كدة.
في يوم، وأنا خارجة من الشركة، لقيت أمي "إلهام" واقفة قدام العربية. مكنتش "برنسيسة" زي زمان، وشها كان باين عليه التعب وهدومها عادية جداً. أول ما شافتني، حاولت ترسم الابتسامة المكسورة اللي كانت دايماً بتستخدمني بيها.
"ياسمين.. وحشتيني يا بنتي. كدة سنة كاملة مسمعش صوتك؟ ولا تسألي أمك عايشة ولا ميتة؟"
بصيت
سكتت ونزلت عينيها في الأرض، وقالت بصوت واطي: "رأفت سابني.. والمصنع بتاعه أعلن إفلاسه، وميادة اتطلقت بعد شهرين من الجواز لأنها مكنتش قادرة تدفع أقساط العربية اللي صممت تجيبها، والبنك سحبها منها وفضحها في وسط أهل جوزها."
محستش بشماتة، حسيت بشفقة. بس الشفقة دي مخلتنيش أضعف.
"أنا مش زعلانة فيكم يا ماما، أنا بس اتعلمت الدرس. إنتي جاية دلوقتي عشان مفيش بديل، مش عشان وحشتك."
طلعت من شنطتي ظرف فيه مبلغ بسيط، مش كتير بس يسترها، واديتها له. "ده عشان العشرة اللي كانت بيننا، وعشان أنا مش زيهم. بس متجيش تاني يا ماما. أنا وسيف بنينا حياة مفيش فيها مكان للناس اللي بتظهر بس وقت المصلحة."
ركبت عربيتي ومشيت، وشفتها في المراية وهي واقفة تصغر وتصغر لحد ما اختفت.
روحت البيت، لقيت سيف راسم لوحة كبيرة فيها "بيت وشجرة وشمس"، وكاتب تحتها بخط طفل صغير: "عيلتي الصغيرة: أنا وماما وبس".
بست راسه وقلت له: "وعندك حق يا سيف.. العيلة مش بالدم، العيلة باللي بيشيلك وإنت قايد..
تمت.