الست زكيه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الست دي كان اسمها "ست زكية". كانت ساكنة في أوضة ضيقة على قدها، في بيت قديم متداري ورا العمارات في حواري السيدة زينب. الأوضة يا دوب واخدة سريرها الحديد اللي بيزيق مع كل حركة، وتربيزة خشب برجل مكسورة، ووابور جاز ريحته دايمًا مبهوقة في المكان. كانت عايشة لوحدها بقالها أكتر من عشر سنين، من ساعة ما جوزها توفى بجلطة، وابنها الوحيد مشي بعد خناقة كبيرة ومرجعش من يومها.
​حياة زكية كانت عبارة عن "عفار" وتعب عشان لقمة العيش. كل يوم قبل الفجر، تشيل سبت العيش بتاعها وتنزل تمشي لغاية السوق تبيع قرص وقهوة. ساعات الرزق يحبها وتخلص بدري، وساعات ترجع آخر الليل والهم واكل كتفها والسبت لسه مليان. اللي بتطلعه كان يا دوب بيكفي الإيجار، وعلاج الضغط، ولقمة تسند بيها طولها.
​الجيران كلهم كانوا عارفين "الست زكية". ست ضعيفة، ظهرها محني من الزمن، صوتها واطي، وعينيها لسه فيها حنية برغم كل اللي شافته. مكانتش تملك من الدنيا شروى نقير، بس عمرها ما بخلت باللي في إيدها. حتة لقمة، فكة بسيطة، كلمة طيبة.. مكنتش بترد حد أبدًا.
​في يوم مغيم والدنيا

بتمطر مطر مبيخلصش، وهي بتلم حاجتها عشان تروح، لمحت راجل نايم تحت تندة محل مقفول. كان منكمش في نفسه، وهدومه غرقانة مية، وبالطوه مقطع ودايب. وشه كان مخطوف وشفايفه مزرقة من البرد، وجنبه شنطة قماش قديمة.
​الناس كانت بتعدي من جنبه ولا كأنهم شايفينه. اللي يبصله بصه سريعة ويمشي، واللي يلف وشه الناحية تانية وكأنه هوا.
​زكية وقفت..
​وبعدين قربت منه براحة.
​"يا حاج.. أنت كويس؟" سألت بحنية.
​الراجل فتح عينيه بصعوبة.
​"أنا تمام.. متقلقيش يا ست الكل،" قالها وهو بيحاول يرسم ابتسامة بالعافية.
​زكية منطقتش ولا كلمة تانية. طلعت قرصة سخنة من السبت بتاعها، لفتها في ورقة ونولتها له في إيده.
​"كل يا أخويا.. الجوع بيخلي البرد ياكل في العضم."
​الراجل بص للقرصة وهو مش مصدق.
​"إنتي بتديني دي بجد؟"
​هزت راسها وقالت:
​"أيوه يا سيدي، لسه معايا غيرها كتير."
​وطبعًا.. كانت بتكدب.
الراجل مسك القرصة بإيد بتترعش وبدأ ياكلها كأنه مأكلش من سنين، وزكية واقفة بتبتسم له رغم إن بطنها كانت بتكركر من الجوع، والقرصة دي كانت فعلاً آخر حاجة معاها وكنت
ناوية تتعشى بيها. سابته ومشت في المطر وهي بتدعي ربنا يرزقها برزق بكرة.
​فات أسبوع، والست زكية كانت ناسية الموضوع تماماً، غرقانة في دوامة السعي اليومي. وفي صباح يوم جمعة، الحارة كلها اتكربست وصوت كلاكسات غريبة قطعت هدوء المكان.
​الجيران خرجوا في البلكونات والشباب وقفوا يتفرجوا بذهول.. الحارة الضيقة اللي مبيخشش فيها غير التوك توك، كانت مرصوصة فيها أربع عربيات سوداء فخمة من اللي مبيشوفوهمش غير في الأفلام، غاسلين تراب الحارة بهيبتهم.
​نزل من العربية اللي في النص راجل لابس بدلة شيك جداً، ومعاه حرس. الراجل فضل يبص حواليه لحد ما شاف الست زكية وهي خارجة بسبتها ومنبهرة زيها زي الناس.
​قرب منها وهو مبتسم، وانحنى على إيدها باسها قدام الحارة كلها وقالها:
"فاكراني يا أمي؟"
​زكية برقت وقالت بعفوية: "يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. إنت مين يا بني؟"
​الراجل ضحك وقالها: "أنا اللي لولا القرصة بتاعتك يوم المطرة، كان زماني دلوقتي جثة في المشرحة. أنا "ياسين المنشاوي"، كنت بمر بأزمة نفسية ومادية كبيرة وقررت أرمي كل حاجة ورا ظهري
وأجرب إحساس الرفض والوحدة.. الكل سابني والكل داس عليا، إلا إنتي.. إنتي اللي اديتيني أمل إن لسه فيه خير في الدنيا."
​الحارة كلها كانت واقفة فاتحة بوقها، وزكية مش مستوعبة إن "الغلبان" بتاع شارع المعز طلع ملياردير. ياسين كمل كلامه وهو بيشاور على العربيات:
​"البيت اللي إنتي فيه ده أنا اشتريته كله، وهيتعمله ترميم يليق بيكي، والعربيات دي جاية عشان تنقلك لأحسن مستشفى تعملي فحوصاتك وتطمني على ضغطك.. ومن النهاردة، مفيش سبت عيش تاني هيتشال على كتافك، إنتي بقيتي صاحبة فضل على شركة "المنشاوي" كلها."
​زكية دمعت ورفعت إيدها للسما وقالت: "يا رب.. ده إنت كريم أوي!"
​والحارة اللي كانت بتبص لها بشفقة، بقوا كلهم يتمنوا يخدموها، بس هي فضلت زي ما هي.. "زكية" اللي قلبها يساع الكل، بس المرة دي السبت بتاعها مكنش فيه قرص، كان فيه رزق مبيخلصش لكل محتاج.
ياسين مسبهاش ومشى، ده أخدها من إيدها وركبها العربية الفخمة وسط ذهول المنطقة كلها. الناس اللي كانوا بيبصوا لها بصة عطف، بقوا بيبصوا لها بذهول، والستات بدأت تضرب كف على كف ويقولوا: "يا
هنياله اللي ربنا راضي عنه!"

تم نسخ الرابط