الست زكيه حكايات صافي هاني
ياسين وداها أكبر مستشفى في المهندسين، وعمل لها كل الفحوصات اللي كانت بتأجلها عشان "القرشين يا دوب على قد اللقمة". مش بس كده، ده جاب لها طقم ممرضات يراعيها في بيتها الجديد اللي جهزهولها، شقة واسعة بتطل على النيل، عشان تشم هوا نضيف بدل ريحة الجاز والدخان.
وفي يوم، وهي قاعدة في شقتها الجديدة، دخل عليها ياسين وهو ماسك ورقة في إيده.
"بصي يا ست زكية، أنا سألت وعرفت إن كان ليكي ابن غايب بقاله سنين."
زكية عينيها لمعت بالدموع وصوتها اتهز: "يا ريت يا ابني.. ده حتة من قلبي، ونفسي أشوفه قبل ما أقابل وجه كريم."
ياسين ابتسم وقالها: "ابنك كان مسافر ومطحون في الغربة، وبسبب ديون قديمة مكنش عارف يرجع، بس أنا خلصت له كل حاجة، وهو دلوقتي على وصول."
دقايق والباب خبط، ودخل ابنها "محمود".وهو بيبكي ويطلب السماح. المشهد كان يقطع القلب، وياسين واقف بعيد بيبتسم، حاسس إن القرصة اللي أخدها منها في ليلة شتا، كانت هي "طوق النجاة" اللي رجع له إنسانيته ورجع للأم ابنها.
زكية بصت لياسين وهي بتعيط من الفرحة وقالت له: "يا بني، أنا عملت لله، مكنتش مستنية كل ده."
ياسين رد عليها وهو بيبوس راسها: "والله يا أمي، اللي بيتاجر مع ربنا عمره ما بيخسر، وإنتي تاجرتي بأعز ما تملكي في وقت شدتك، فكان لازم ربنا
ومن يومها، الست زكية بقت هي اللي بتوزع "شنط الخير" كل أول شهر على الغلابة في حارتها القديمة، بس المرة دي الشنط كانت مليانة لحمة وزيت وسكر، وهي بتضحك وبتقول لكل واحد: "كل يا ضنايا.. الجوع وحش، وربنا كريم مبيسيبش حد."
وبعد شهر من رجوع ابنها "محمود"، الست زكية قررت إنها مش عايزة تعيش في الهدوء بتاع الشقق الفخمة دي لوحدها، ورجعت للحارة تطل على جيرانها، بس المرة دي رجعت وهي "ست هانم" بجد.
ياسين المنشاوي محبش يكسر بكلمتها، فاشترى البيت القديم كله اللي كانت ساكنة فيه وهده، وبنى مكانه "مجمع الست زكية للخير". الدور الأرضي بقى فرن كبير بيوزع عيش وقرص ببلاش لكل محتاج في المنطقة، والأدوار اللي فوق بقت مستوصف طبي لعلاج الضغط والسكر بالمجان، وخصص شقة واسعة في الدور الأول لزكية وابنها عشان تفضل وسط ناسها اللي بتحبهم.
وفي ليلة من ليالي الشتا، وزكية قاعدة قدام الفرن بتوزع القرص السخنة، شافت واحد غلبان هدومه مقطعة وبردان، فافتكرت ياسين واليوم اللي غير حياتها. ندهت عليه واديتله كيس مليان أكل وطلعت من جيبها مبلغ وقالتله: "خد يا بني، ده مش مني، ده رزقك اللي ربنا شايلهولك عندي."
الراجل مشي وهو بيدعي لها، وياسين كان واقف بعيد بيراقب المشهد من عربيته، نزل وراح وقف جنبها
ضحكت من قلبها وقالتله: "يا ياسين يا بني، القرصة دي هي اللي جابتك ليا، وهي اللي رجعتلي محمود، وهي اللي خلتني أشوف وشك السمح ده.. دي مش مجرد لقمة، دي "عربون محبة" مع ربنا، والشركة مع ربنا مفيش أكسب منها."
ياسين باس إيدها وقال: "عندك حق يا أمي.. الواحد مهما ملك، بيفضل فقير لو قلبه مفيهوش حنية زي قلبك."
وخلصت الحكاية بإن الحارة كلها بقت بتسمي الست زكية "أم الغلابة"، وعاشت بقية عمرها مستورة وفرحانة بابنها، وكل ما الدنيا تمطر، تفتكر إن "جبر الخواطر" هو التجارة اللي مبيجيش من وراها غير المكسب، في الدنيا والآخرة.
الست زكية مابقتش مجرد "ست طيبة" في الحارة، دي بقت هي البركة اللي الكل بيتحامى فيها. وفي يوم وياسين قاعد معاها، سألته سؤال كان واكل قلبه: "يا ياسين يا ابني، إنت يوم ما شوفتك في المطر، كنت واصل لمرحلة صعبة أوي.. إيه اللي وصل بيك الحال لكده وإنت ابن عز؟"
ياسين اتنهد وبص للأرض وقال لها: "يا أمي، ساعات البني آدم بياخده الغرور، وكنت فاكر إن فلوسي هي قوتي. شركائي في الشغل غدروا بيا، وصحابة المصلحة فص ملح وداب، حتى خطيبتي سابتني في ليلتها. خرجت في المطر مش عارف أروح فين، وكنت خلاص يئست من الدنيا ومن الناس.
زكية طبطبت عليه وقالت له: "يا بني، ربنا بيختبرنا باللي بنحبه، وإنت نجحت في الاختبار عشان مادتش ضهرك للحق."
ومرت الأيام، والست زكية كبرت في السن، بس صحتها كانت حديد من دعوات الناس. وفي ليلة فرح "محمود" ابنها، اللي ياسين بنفسه هو اللي جهزه وعمله فرح "ألف ليلة وليلة" في قلب الحارة عشان يفرح أهل المنطقة كلهم، كانت زكية قاعدة زي الملكة، والكل بيسلم عليها ويبوس إيدها.
وياسين واقف جنب محمود، كأنهم إخوات شقايق، والاتنين بيخدموا على المعازيم. وبقت "حارة الست زكية" دي أشهر مكان في مصر، مش عشان العمارات اللي اتبنت، لا.. عشان الروح اللي رجعت فيها.
وفي آخر الفرح، زكية ندهت لياسين ومحمود وقالتلهم كلمتين فضلوا حلقة في ودنهم العمر كله:
"يا ولادي، الدنيا دي عاملة زي "الساقية"، يوم فوق ويوم تحت. اللي بيخليك تثبت فوق هو "الخير" اللي بتعمله وإنت تحت. اوعوا في يوم تنسوا الغلبان، وافتكروا إن لقمة واحدة ممكن تفتح أبواب مقفولة بقالها سنين."
وعاشت الست زكية وسط ولادها في هنا وسرور، وبقت قصتها تتحكي لكل جيل طالع، إن اللي بيدي من غير حساب، ربنا بيرزقه من غير حدود، وإن "جبر الخواطر"