جنازة تكشف الاسرار

لمحة نيوز

في جنازة أبويا، وسط ريحة الصبار والوجوه اللي لابسة قناع الحزن، وقف أخويا محمود بكل بجاحة وقال قدام الناس يا جماعة، إحنا هنبيع البيت فوراً عشان نسدد ديون علينا ب 17 مليون جنيه ديون قمار.. ولقيت أمي بتبصلي ببرود وبتقول وأنتِ يا بنتي شوفي لك حتة تانية تسكني فيها.
هزيت رأسي بهدوء، كأن الكلام منطقي، و واحد من القرايب والمعزيين بيتفرجوا عليا وأنا بيتمسح بيا الأرض في اللحظة دي.. لحد ما فجأة سمعنا صوت كحت كرسي من ورا، ومحامي العائلة الأستاذ شاكر وقف وقال أنا أسف، بس الظاهر إن حضراتكم فاهمين وصية الحاج منصور غلط خالص.
السكوت حلّ في القاعة.. وابتسامة محمود أخويا اختفت فجأة.
الجو جوه دار المناسبات كان خانق، ريحة القهوة السادة والمناديل المبلولة والناس اللي جاية تأدي واجب وهي مش فارق معاها. كنت قاعدة في الصف الثالث، ضهري مشدود على الكرسي الخشب الناشف، حاسة إني تكملة عدد في العيلة دي، مجرد فكرة اترمت بره الحسابات خلاص.
على شمالي، أمي نادية كانت لابسة الحزن زي ما بتلبس طقم الذهب بتاعها؛ منقيّاه بالفرازة، ومرتب، وممنوع حد يقرب منه. وعلى يميني، محمود أخويا عمال يعدل في بدلة ال براند اللي لابسها، مش متوتر من الحزن، لا، ده قلقان من الوقت وعاوز يخلص.
قدامنا كان تابوت أبويا الحاج منصور. الراجل اللي ضيع 40 سنة من عمره بيبني في عزبة النخل والمنطقة المحيطة، طوبة طوبة، وشقا وتعب.. ودلوقتي، وقبل ما القهوة تبرد، كانت حياته وشقاه بيتقسموا زي الغنائم.
محمود طلع المنصة وبدأ يتكلم بتمثيل متقن. حكى عن ذكريات الصيد، ونصايح بابا، وحنيته اللي أنا أصلاً عمري ما شفتها. القصص كانت متلمعة وشكلها بروفات قديمة، كأن الحزن مأجر مكتب دعاية

يظبط له الصورة.
وفجأة.. التمثيلية باخت.
محمود مانزلش من على المنصة، فضل واقف وماسك في الخشب بإيده لدرجة إن عروقه برزت، وقال بصوت واطي ومهموم تمثيلاً زي ما كتير منكم عارفين، وفاة والدي حطتنا قدام واقع صعب. بعد ما اتكلمت مع ست الكل أمي، قررنا إن أحسن طريقة نكرم بيها ذكراه هي بيع بيت العيلة اللي في المهندسين فوراً.. عشان نسدد.. التزامات عائلية.
الناس بدأت توشوش ببعضها.
أنا طبعاً عارفة يعني إيه التزامات عائلية.. يعني ديون القمار وبلاوي محمود؛ 17 مليون جنيه طيش واستهتار، ورقم أمي كانت بتحاول تداريه ورا الستر لشهور.
وهنا أمي قامت وقفت.
ما بصتش حتى ناحية التابوت، بصت لي أنا.. نظرة باردة وقوية، وكأن الكلام ده مترتب من زمان. وقالت بصوت سمع القاعة كلها أبوكي كان هيفهم يا بريانا. محمود محتاج اللي يسنده، وأنتِ بنت شاطرة ومستقلة وعندك شغلك وشقتك في وسط البلد.. تقدري تشوفي مكان تاني تعيشي فيه وتسيبي البيت لأخوكي.
قالتها بمنتهى البساطة.. كأن طردي من بيتي هو أكتر حاجة منطقية في الكون.
القاعة سكتت خالص. 40 جوز عيون بصوا عليا؛ ناس بتشفق عليا، وناس تانية عندها برود وتلذذ بوجع الغير. مفيش حد نطق، ولا حد اعترض. في عيلتنا، الحب كان دايماً كوسة، ومحمود هو اللي واخد النصيب الأكبر.
من وأنا عندي 18 سنة وأنا حافظة السيناريو ده؛ أمي كانت دايما تقول ليه نصرف عليكي؟ أنتِ آخرتك بيت جوزك، محمود هو اللي لازم يتعلم أحسن تعليم عشان يشيل اسم العيلة.
في نظرها، الولاد هما الأساس، والبنات ضيوف شرف.
عشان كده بنيت نفسي بنفسي، بقيت محاسبة قانونية شاطرة، واشتغلت شغلانتين، وكلت إندومي لحد ما عيني طلعت عشان أستقل بكرامتي. كنت فاكرة إني خلاص
بعدت وبقيت محترمة في نظرهم.. بس اكتشفت إني في جنازة أبويا، لسه بيتم رميي زي العفش القديم.
محمود مد إيده يجيب الجاكيت بتاعه، ومرسومة على وشه نص ابتسامة نصر، كأنه ضحك على الكل.
وفجأة، من آخر القاعة، سمعنا صوت كرسي بيتحرك بعنف على الأرض.
الصوت ده خلى الناس كلها تتكهرب.
قام الأستاذ شاكر، محامي بابا وصاحبه من 30 سنة. ماكانش باين عليه إنه هيواسي حد، كان باين عليه إنه هيقصف جبهات.
عدل الجاكيت، بص بصه أخيرة للتابوت، وبعدين رشق عينه في عين أمي ومحمود وقال بصوت هادي خلى الدم يهرب من عروقهم
أنا خايف تكونوا فهمتوا وصية الحاج منصور الله يرحمه غلط خالص..
السكوت بقى مرعب، لدرجة إن صوت النفس مسموع.
ابتسامة محمود اتمسحت.. ولأول مرة من الصبح، القاعة دي مابقتش بتاعتهم!
الأستاذ شاكر مشي ببطء لحد المنصة، وطلع ورقة رسمية مختومة بختم النسر من شنطته. القاعة كلها كانت حابسة نفسها، ومحمود أخويا وشه بدأ يقلب ألوان، وأمي وقفت مكانها زي الصنم.
الأستاذ شاكر عدل نظارته وقال الحاج منصور، الله يرحمه، جالي المكتب قبل وفاته بشهر، وكان عارف كويس أوي ديون ابنه ومحاولات البيع اللي بتترتب من وراه. وعشان كده، كتب وصية مسجلة في الشهر العقاري.
بص لمحمود بصه كلها احتقار وكمل البيت اللي في المهندسين، والشركة، وكل الأرصدة السائلة في البنوك، الحاج منصور نقل ملكيتها بالكامل لبنته بريانا.. بيع وشراء قطعي وغير قابل للطعن.
الصدمة كانت تقيلة لدرجة إن محمود رجله خبطت في المنصة وهو بيرجع لورا، وأمي شهقت بصوت عالي وقالت أنت بتقول إيه يا شاكر؟ دي أموال ابني! محمود هو الراجل!
شاكر رد عليها ببرود قاتل الراجل هو اللي بيصون شقا أبوه مش اللي بيقامر بيه
يا ست نادية. والوصية كمان بتنص على إن الأستاذ محمود ملوش حق يدخل البيت إلا بإذن كتابي من مالكته.. اللي هي أخته. أما بالنسبة لديون القمار، فالحاج منصور ساب رسالة لمحمود، بيقوله فيها اللي ضيعتُه بإيدك، سدده من جيبك.. أنا مابنيتش عشان أنت تهدم.
محمود صرخ بهستيريا ده تزوير! أكيد بريانا هي اللي لعبت في دماغه! دي هي اللي لازم تترمي بره مش أنا!
شاكر طلع ورقة تانية وقال وده إخطار رسمي بخلائك من الجناح بتاعك في الفيلا خلال 24 ساعة، وإلا هيتم التنفيذ بالقوة الجبرية بناءً على طلب المالك الجديد.
العيون اللي كانت بتبصلي بشفقة من شوية، فجأة اتحولت لنظرات ذهول واحترام مرعب. القرايب اللي كانوا ساكتين بدأوا يتهامسوا والله الحاج منصور طلع بيفهم، بريانا هي اللي شالت البيت فعلاً.
أمي قربت مني، والمرة دي مكنتش نظرتها باردة، كانت مليانة رجاء مزيف وقالت يا بريانا يا بنتي.. إحنا أهل، محمود أخوكي لو اتسجن إحنا هنتمسح بالأرض، لازم 
تتنازلي عن الورق ده ونبيع البيت ونسدد اللي عليه.
بصيت لها بكل هدوء، النظرة اللي اتعلمتها من سنين التهميش، وقلت لها أبويا ساب لي البيت عشان أحميه، مش عشان أبيعه وأرمي فلوسه في صالات القمار. ومحمود مش محتاج دعم، هو محتاج يتحمل نتيجة أفعاله.. زي ما أنا كنت مستقلة وبتحمل نتيجة أفعالي لوحدي.
أخدت شنطتي، وبصيت للأستاذ شاكر وقلت له خلص الإجراءات يا متر، ومن بكرة نغير كوالين البيت كله.
خرجت من دار المناسبات، والهواء اللي كان خانق فجأة بقى منعش. لأول مرة في حياتي، محستش إني ضيفة في حياة حد.. أنا النهاردة بقيت صاحبة البيت.
محمود جري ورايا بره القاعة وهو بيشتم ويهدد، وصوته جايب آخر الشارع والله ما
هسيبك! الورق ده هبله وأشرب ميته، البيت
تم نسخ الرابط