كيد النساء حكايات صافي هاني
بعد سنتين في جبهة وقتال ووجع قلب، رجعت البيت فجأة من غير ما أقول لحد.. وأول ما دخلت سمعت صوت شخط ونطر في المطبخ. اتسحبت براحة وشفت المنظر اللي يوقف الدم في العروق: مراتي "سلوان" ماسكة أمي الست الغلبانة اللي عندها 78 سنة من شعرها، وبتجبرها تشرب مياه المسح الوسخة من الجردل! وبتقول لها بمنتهى الجبروت: "ابنك خلاص كتب لي القصر اللي بـ 100 مليون ده باسمي.. يعني إنتي هنا خدامة عندي."
كانت فاكرة إني مت أو مش راجع تاني، وماكنتش تعرف إن الورقة اللي معاها دي بلّتها وشربت ميتها، وإن جبروتها ده آخره النهاردة على الرصيف.
أنا "إبراهيم"، رائد في الصاعقة، قضيت عمري في المهمات الصعبة، بعرف أقرأ دماغ العدو قبل ما ينطق، وبفهم لغة السلاح والمخابرات زي ضلوعي. كنت برسم خرايط لأخطر أماكن في العالم وأنا مغمض، بس للاسف خاب ظني في أكتر واحدة
البيت ده ماكانش مجرد عقار غالي، ده كان شرف عيلتي، والمكان اللي كنت عايز أمي "ماريا" ترتاح فيه في أواخر أيامها. شقيت وتعبت في الصحراء والمهمات عشان أأمن لها الجنة دي.
وبعدين ظهرت "سلوان".. مثلت دور الملاك اللي بيعشق تراب رجلين الكبار في السن، لبست قناع الزوجة الأصيلة المخلصة لحد ما صدقتها. وثقت فيها وكتبت لها توكيل بإدارة البيت عشان تخدم أمي في غيابي.. وماشفتش نظرة الغدر اللي في عينيها وهي بتمضي، نظرة واحدة كانت مستنية تمسك المفاتيح وتنهش فينا.
رجعت من غير ميعاد الساعة 2 بالليل، دخلت من الباب الجانبي لقيت البيت هس هس وتلج، وريحة المبيضات والمنظفات كبست على نفسي، مفيش ريحة أكل أمي ولا حنيتها. الحاسة السادسة عندي اشتغلت وعرفت إن فيه مصيبة.
اتحركت زي الشبح ناحية المطبخ، وسمعت ضحكتها الرخيصة وهي بتقول:
دخلت المطبخ وعيني زي الصقر، الدم غلي في عروقي وبقى نار.
كانت "سلوان" قاعدة ببرنس حرير تمنه ألوفات، وأمي تحت رجليها بتترعش من الرعب. كانت ماسكة أمي من شعرها الأبيض وبتنزل راسها بالعافية لجردل مياه وسخة وصابون، وأمي بإيدين وارمة من الروماتيزم بتمسح البلاط بحتة خيش.
قالت لها بلسان يقطر سم: "ابنك بينه وبينك بحور ومحيطات يا ماريا، البيت ده بقى بتاعي وإنتي كمان بقيتي بتاعتي، دلوقتي تغسلي لي رجلي وإلا مفيش لقمة تدخل بوقك ليوم الأحد.. وفري دموعك محدش هيسمعك."
صوت شهقات أمي المكسورة قطع قلبي زي الطلقة. "سلوان" افتكرت غيابي فرصة، وافتكرت إنها ملكت الدنيا، وماعرفتش إن عزرائيل واقف وراها.
رفعت إيدها عشان تضرب أمي عشان
إيدها اتجمدت في الهواء أول ما ضلي غطى نور المطبخ..
"كراك".. ومن هنا بدأت الحكاية التانية.
أول ما شافت ضلي على الحيطة، سابت شعر أمي واتنفضت مكانها كأن كهربا لمتستها. لفت وشها وهي بتترعش، وشها اللي كان كله جبروت من ثانية بقى لونه أصفر زي الليمونة الميتة. حاولت تنطق، حاولت تبتسم وتعمل دور الزوجة اللي اتفاجئت برجوع حبيبها، بس الشلل كان ماسك لسانها.
أنا مكلمتهاش، ولا حتى بصيت في عينها المقرفة. نزلت لمستوى الأرض، شلت إيد أمي من المية الوسخة ورفعتها في حضني. كانت بتترعش زي العصفور المبلول، وأول ما شافتني، مكنتش مصدقة، فضلت تمسح في عينيها بإيدها الشقيانة وتقول بصوت واطي ومبحوح: "يا ضنايا.. إنت جيت؟ إنت عايش يا