سر الطفل الغامض حكايات صافي هاني
النوم هجر بيت "عيلة الشافعي" من زمان، من قبل حتى ما حد فيهم يتجرأ وينطقها بصوت عالي.
ليلة ورا ليلة، وشوارع "المعادي" هادية تماماً وأنوار الفلل والبيوت بتطفي واحد ورا التانية، كان "محمود الشافعي" بيفضل صاحي، عينه في السقف وتركيزه كله مع السكوت، كأنه مستني السقف ده ينطق ويديله الإجابة اللي بيدور عليها بقاله سنتين.
بيتهم من بره كان يبان "كامل" لأي حد معدي؛ فيلا شيك، واسعة، متصممة على أحدث طراز وكل ركن فيها بيحكي عن عز. بس أول ما الشمس بتغيب، كل ده مبيبقاش ليه لازمة.
لأن كل ليلة، كان فيه "صوت" واحد بيسيطر على المكان.
صوت زنة ناعمة ومنتظمة.. حركة عجل هادية بتتحرك على خشب الأرضية.
الصوت ده كان جاي من الطرقة.. من الكرسي المتحرك بتاع بنته "نور"، اللي لسه مكملتش سبع سنين.
ساعات كان بيبقى مجرد حركة خفيفة وهي بتحاول تلاقي وضع مريح لنومها، وساعات تانية
الصوت ده مع الوقت مابقاش مجرد دوشة.. ده بقى حمل تقيل فوق كتاف محمود.
ذكريات.. وحقيقة مرة مفيش مفر منها: إن فيه حاجات في الدنيا "الفلوس" مبتصلحهاش.
كلام الدكاترة كان محفور في عقله زي السكين:
"الحالة مستقرة.. بس مفيش أمل في المشي."
"نسبة الشفاء شبه منعدمة.. ركزوا إنها تعيش مرتاحة وخلاص."
محمود حفظ الجمل دي أكتر ما حفظ صفقات الشغل اللي كان بيديرها، بس الجمل دي معمرها ما قدمت حل، كانت بس بتفكره بعجزه قدام القدر.
كل ليلة كان بيسأل نفسه نفس الأسئلة:
طب لو كنا مشينا من طريق تاني؟
طب لو كنا وصلنا المستشفى أسرع؟
طب لو كان فيه حد اتصرف بذكاء وقت الحادثة؟
كلمة "لو" كانت بتفضل ترن في ودنه وتعمل صدى لحد ما الفجر يأذن، والنوم
في صباح يوم ربيعي والشمس مالية الصالة، كان محمود بيتحرك زي الآلة.. لبس بدلة شيك جداً، شرب قهوته المرة، ورسم على وشه ملامح هادية بتداري وراها بركان.
"نور" كانت قاعدة على سفرة الفطار بكرسيها، لابسة فستانها الأبيض اللي بتحبه، اللي كانت دايما تقول عليه "فستان العيد". شعرها كان ملموم لورا بس مفركش شوية، ووشها كان هادي.. هادي زيادة عن اللزوم بالنسبة لطفلة في سنها.
محمود قرب منها بحنان وقال: "جاهزة يا نونو؟ النهاردة هنروح لدكتور جديد، بيقولوا شاطر جداً."
نور بصتله وابتسمت ابتسامة هادية تقطع القلب: "اللي تشوفه يا بابا.. لو ده هيخليك مبسوط."
الرضا اللي في صوتها كان بيوجعه أكتر من العياط.
وهما خارجين ورايحين ناحية العربية، محمود لمح حد واقف عند بوابة الفيلا.
ولد صغير، ميكملش عشر سنين.
جسمه نحيف، شعره أسود منكوش، ولابس تيشرت بسيط جداً
الولد مكنش بيشحت، ولا بيمد إيده.
كان واقف مكانه، بيبص لـ "نور" بتركيز غريب.
نظراته مكنتش نظرة شفقة زي اللي بيشوفوها من الناس، كانت نظرة "فهم".. نظرة حد عارف ومستوعب حاجات أكبر بكتير من سنه.
محمود فتح باب العربية لـ "نور" وكان خلاص هيمشي، بس الولد قرب خطوة ورفع إيده بأدب وقال بصوت واثق ومريح:
"يا عمو.. ممكن أتكلم معاك ثانية؟ أنا ممكن أساعدها."
لو عايز تعرف السر اللي مع الولد وايه اللي هيحصل، قولي "كمل"!!
محمود وقف مكانه، إيده اتجمدت على باب العربية. بص للولد بنظرة فيها خليط من الدهشة والضيق.. "يساعدها؟" أكبر دكاترة في مصر وألمانيا قالوا مفيش أمل، ييجي طفل صغير بهدومه البسيطة دي يقول "أنا ممكن أساعد"؟
محمود كان لسه هيزعق ويقوله يمشي، بس فيه حاجة في عيون الولد خلت الكلمات تقف في زوره. عيون الولد كانت صافية بشكل مرعب، وكأن