سر الطفل الغامض حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​الولد قرب من "نور" اللي كانت بتبص له باستغراب، ونزل لمستوى الكرسي بتاعها وقالها بصوت واطي: "انتي مش محبوسة في الكرسي ده يا نور.. انتي بس نسيته المفتاح فين."
​نور وشها اتغير، ولأول مرة من سنتين، محمود يشوف لمعة غريبة في عيون بنته، لمعة خوف ممزوج بلهفة.
​إيمان (الأم) خرجت بسرعة من الفيلا لما شافت المنظر، وسألت بقلق: "فيه إيه يا محمود؟ مين الولد ده؟"
​محمود مردش، كان مركز مع الولد اللي طلع من جيبه "سلسلة" قديمة جداً، فيها مفتاح نحاس مصدي، ومسك إيد نور وحط المفتاح في كفها وقفل صوابعها عليه وقال: "السر مش في رجلك، السر في اللي خفتي منه يوم الحادثة وفضلتي حبساه جوه قلبك.. الحقيقة هتخرج النهاردة."
​فجأة، الجو حواليهم اتغير.. الريح بدأت تصفر رغم إننا في عز الصيف، ونور بدأت تترعش وهي ماسكة المفتاح النحاس، وصوت عجل الكرسي بدأ يزيق لوحده من غير ما حد يحركه!
​الولد بص لمحمود وقاله بلهجة غامضة: "جه وقت الحساب يا عم محمود.. الحادثة مكنتش قضاء وقدر زي ما الكل فاهم، وفيه حد
في البيت ده عارف الحقيقة ومخبيها، والسر ده هو اللي رابط رجل بنتك."
​محمود قلبه بدأ يدق بعنف، وبص لمراته "إيمان" اللي فجأة وشها بقى أصفر زي الليمونة ورجليها مكنتش شايلاها..
​يا ترى إيه السر اللي إيمان مخبياه؟ ومين الولد ده أصلاً؟

محمود حس إن الأرض بتهتز تحت رجله، بص لمراته "إيمان" اللي كانت سانده على سور الفيلا وكأن روحها بتنسحب منها. ملامحها اللي كان حافظها بقالها سنين، فجأة بقت غريبة عليه، كانت بتبص للولد وللمفتاح اللي في إيد "نور" برعب مش مفهوم.
​الولد كمل كلامه وصوته بقى له صدى غريب: "الخوف بيبني سجون يا عم محمود.. والكرسي ده مش سجن لنور، ده سجن للي خايف يتكلم."
​محمود ساب باب العربية وقرب من إيمان، مسك دراعها بقوة وقال بصوت واطي ومرعش: "إيمان.. الولد ده بيقول إيه؟ حادثة إيه اللي مكنتش قدر؟ إحنا بقالنا سنتين بنقول نصيب!"
​إيمان حاولت تنطق، بس صوتها طلع مخنوق: "محمود.. أنا.. أنا كنت عايزة أحميها.. كنت عايزة أحميك.."
​في اللحظة دي، "نور" صرخت صرخة مكتومة، المفتاح

اللي في إيدها بدأ يسخن، وبدأت تهمس بكلمات مش مفهومة، عينيها كانت مقفولة وجسمها كله بيتنفض.
​الولد بص لمحمود وقاله بحزم: "يوم الحادثة، مكنتش الفرامل هي اللي مقطوعة.. كانت فيه مكالمة تليفون، وكان فيه حد بيجري وراكم، وكان فيه سر إيمان هانم خدته معاها في شنطتها ورمته في النيل قبل ما الإسعاف تيجي."
​محمود عقله وقف.. افتكر فعلاً إن إيمان رغم إصابتها البسيطة يومها، كانت متمسكة بشنطتها بشكل جنوني، وافتكر إنها غابت عن عينه 10 دقايق في المستشفى قبل ما يدخلوا العمليات.
​بص لإيمان وقال بحدة: "شنطة إيه يا إيمان؟ ومين اللي كان بيطاردنا؟ بنتي قعدت قعيدة سنتين عشان خاطر إيه؟"
​إيمان انهارت على الأرض وهي بتعيط بنحيب يقطع القلب: "كانوا هيموتوك يا محمود! التهديدات اللي كانت بتجيلك بسببي.. أنا مكنتش عايزة أقولك إن أخويا هو اللي ورا كل ده عشان الفلوس.. هو اللي زق علينا العربية، وأنا خبيت الورق اللي يثبت ده عشان مخربش البيت.. كنت فاكرة إني بحميك، بس الثمن كان نور!"
​أول ما الكلمة طلعت
من بقها، نور فتحت عينيها فجأة، والكرسي المتحرك اتحرك لورا بقوة وكأن فيه قوة خفية زقته.
​الولد ابتسم بهدوء وقال: "الحقيقة حررتها."
​محمود بص لنور وهو مش مصدق.. نور بدأت تحرك صوابع رجليها ببطء، المفتاح النحاس في إيدها داب وبقى عبارة عن تراب دهبي طار مع الهوا.
​نور بصت لباباها وقالت بصوت طفولي بس فيه قوة: "أنا مش خايفة يا بابا.. أنا شفت عمو وهو بيخبطنا، وشفت ماما وهي بتخبي الورق.. أنا كنت فاكرة إني لو قمت، هما هيرجعوا يإذونا تاني."
​محمود جرى على بنته، ونور لأول مرة من سنتين، سابت ساندة الكرسي، ووقفت على رجليها وهي بتترعش، ورمت نفسها في حضن أبوها.
​لما محمود لف عشان يشكر الولد أو يفهم هو مين.. ملحقش.
​المكان كان فاضي.. البوابة مقفولة، والشارع هادي تماماً، ومفيش أي أثر للولد اللي لابس تيشرت برتقالي، وكأنه كان طيف أو "رسالة" مبعوتة من السما عشان تنهي كابوس عيلة الشافعي.
​نور رجعت تمشي، بس من اليوم ده، محمود عرف إن الحقيقة أغلى بكتير من السكوت، وإن فيه أسرار.. الوجع
بتاعها أصعب من الشلل.

تم نسخ الرابط