خيانة الابن حكايات صافي هاني
اللي حصل إن ابني حولني لخدامة ببلاش على طبلية بيته.. وبعدها وقفت وقولت "لأ".
في وسط لمتنا على العشا، ابني بصلي ببرود وقالي: "يا أمي، إنتي دورك هنا تخلي بالك من العيال وتشيلي البيت عشان أعرف أعيش حياتي أنا ومراتي.. الموضوع بسيط، ولو مش عاجبك، الباب يفوت جمل".
رديت عليه بمنتهى الهدوء: "تمام جداً.. أنا ماشية، ومن بكرة بقى ابدأ ادفع فواتيرك ومصاريفك بنفسك.. الموضوع بسيط".
ابني "محمد" وقف الأكل، ومراته "هبة" الشوكة وقعت من إيدها، والعيال الصغيرين بصولي وهما مش فاهمين حاجة.. الوحيدة اللي بصت في عيني كانت "سارة" حفيدتي الكبيرة، بنت عندها 16 سنة، وكان في عينيها نظرة فخر بيا.
طبقت الفوطة، حطيتها جنب طبقي اللي ملمستوش، وقمت دخلت أوضتي الصغيرة اللي في آخر الطرقة من غير ولا دمعة.. ومحمد فضل ينادي ورايا ويقولي "مكبرة الموضوع ليه يا ماما!".
بس الموضوع كان كبير فعلاً.
من تلات شهور بس، كنت قاعدة في بيتي الصغير في الأرياف، بسقي الزرع في جنينتي، ومستمتعة بهدوء حياتي اللي بنيتها حتة حتة.. كان عندي بلكونة وكرسي هزاز وراحة بال بالدنيا.
لحد ما محمد كلمني: "يا أمي أنا محتاجلك.. هبة تعبانة، والعيال مطلعين عينها، وأنا شغلي كله سفر.. إحنا محتاجينك معانا لفترة صغيرة".
وبسبب الكلمتين دول، بعت بيتي بسرعة وبتراب الفلوس.. 700 ألف جنيه، شقى عمري كله، حطيتهم في شنطتين وتلات كراتين
أول ما وصلت، العيال جريوا عليا "تيتا.. تيتا"، وسارة باستني وهي حزينة، وقتها مفهمتش ليه.
بعدين وروني أوضتي.. كانت المخزن القديم اللي في آخر الطرقة! سرير ضيق، ودولاب ملوش لازمة، وشباك بيبص على منور ضلمة.. مفيش مكان لكرسيّ الهزاز، ولا لصور ذكرياتي.. مفيش مكان ليا أصلاً.
محمد ابتسم وقالي: "معلش يا أمي، فترة مؤقتة".
وكعادة الأمهات، صغرت نفسي عشان أكفي المكان اللي ادوهولي، وابتسمت وقولتله "مفيش مشكلة يا حبيبي".
بدأت الساقية تدور.. أطبخ، وأغسل، وأكوي، وأذاكر للعيال، وأحمي الصغيرين، وأجهز العشا.. هبة تشكرني كلمة ورد غطاها، ومحمد يرجع يلاقي البيت زي الفل.
كل شوية يطلع حجة.. مأمورية شغل، اجتماع مهم، سفرية مفاجئة.. والشنط دايماً عند الباب، وورقة على الثلاجة فيها الطلبات، وأنا المحبوسة مع العيال.
بقيت أصحى من الفجر، أحضر الفطار، وألبس العيال للمدرسة، وأنضف، وأغسل، وآكل لقمة وأنا واقفة على الحوض، وأرجع أجيب العيال، وأطبخ عشا محمد وهبة اللي بيجوا متأخر جداً عشان ياكلوه.
وسط كل ده، محستش إني وسط أهلي.. حسيت إني "شغالة" بس من غير ماهية.
وفي يوم، هبة نسيت موبايلها على الترابيزة.
مفتشتش فيه والله، بس الشاشة نورت، وشفت صورتها وهي بتشرب عصير على البحر في شرم الشيخ، وكاتبة "أحلى أجازة بعد تعب".
من غير ما أفكر، فتحت باقي الصور.
بحر، وفنادق غالية، وعزومات.. كل ده في الوقت اللي بيقولوا لي فيه إنهم في "شغل"، وسايبيلي الغسيل والمواعين وتربية عيالهم.
حطيت الموبايل مكانه، ولقيت سارة حفيدتي مراقباني من بعيد.. قامت وقفلت كتابها وقالتلي بشويش: "يا تيتا، لازم أوريكي حاجة".
دخلنا أوضتها وقفلت الباب، وورتني "جروب" على الواتساب بين محمد وهبة، مسميينه (خطة ماما).
الشات بدأ من قبل ما أبيع بيتي أصلاً!
اتفقوا إنهم بكده هيوفروا مصاريف المربية والشغالة.. وإن الفلوس اللي هجيبها من بيع بيتي هما اللي هياخدوها.. وهيقولوا لي إنهم بيحوشوها لي، وهما في الحقيقة بيسدوا بيها ديونهم ويصرفوها.
والأدهى بقى.. تريقة على طبخي، وقفشات على إني مبعرفش أشغل الريموت، وترتيب لرحلات وهما سايبني في البيت.. ورسالة بتقول "أوضة الخزين كفاية قوي على سنها".
والجملة اللي قطمت وسطي.. محمد كاتب: "أمي بدأت تسأل عن الفلوس.. قولي لها إننا استثمرناها في البنك، ولازم نخليها تمضي لنا توكيل عام عشان نعرف نتصرف براحتنا ونبقى مسيطرين على كل حاجة".
سارة إيدها كانت بتترعش وهي بتقولي: "وفي كمان يا تيتا.. هما باعوا عفش بيتك القديم اللي كان في المخزن، ماما عرضته على الفيس بوك وباعته بـ 20 ألف جنيه، وخرجوا اتعشوا بيهم".
وقفت قدام الشباك وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا.
تلات شهور وأنا بصحى قبل الفجر، وبخدم بقلب راضي، وبصغر نفسي عشانهم.. وهما
بدل ما أنهار، بقيت هادية جداً.
في نفس اليوم، كتبت كل تاريخ وكل ملم وكل كذبة حصلت، وكلمت محامي كان صديق لزوجي الله يرحمه.
لما حكيت له، سكت شوية وقالي: "اوعي تحسسيهم بحاجة.. خليكي طبيعية، واجمعي كل الورق اللي تقدري عليه".
وفعلاً، لما محمد جه بليل وقالي بمنتهى البجاحة: "يا أمي هاتي ورقك عشان أعملك توكيل أساعدك في مصاريفك"، بصيت في عينيه اللي كنت ببوسها وهو صغير وقولتله: "سيبني أفكر يا حبيبي".
تاني يوم، والبيت فاضي، فتشت في حاجته.. لقيت كشف حساب البنك.
حسابي اللي باسمي، ومحمد حاطط اسمه معايا "حساب مشترك".
الـ 700 ألف جنيه متبقي منهم 200 ألف بس!
سحوبات ورا سحوبات، وكلها متغطية بمصاريف وهمية.
صورت كل ورقة بالموبايل، وبعتها للمحامي.
رد عليا في رسالة: "كده تمام.. الورق ده يحبسهم، نتحرك وقت ما تحبي".
وفي اللحظة دي، وأنا في البيت اللي حاولت أكون فيه "نسمة" ومحدش حس بيا، كتبت أول جملة بملك فيها قراري:
"أنا جاهزة.. قول لي أعمل إيه."
المحامي قالي: "يا حاجّة، الخطوة الجاية لازم تكون سريعة وموجعة، قبل ما يحسوا بأي حاجة ويصرفوا اللي فاضل."
نزلت الصبح بدري، قولت لهم إني رايحة أشتري خضار، لكن رجلي خدتني على البنك. وبمساعدة المحامي والورق اللي معايا، قدرت أسحب الـ 200 ألف اللي فاضلين وأحطهم في حساب جديد تماماً ملهوش علاقة