خيانة الابن حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​رجعت البيت، وجه ميعاد العشا.. المشهد اللي بدأت ليكي بيه الحكاية.
​لما محمد قالي "الباب يفوت جمل"، كان فاكر إن ماليش مأوى ولا مليم، وإني مكسورة الجناح وهبوس إيده عشان يخليني في أوضة الخزين. لكن الصدمة كانت لما قمت وقفت بكل طولي وقولتله: "تمام، أنا ماشية."
​هبة مراته ضحكت باستهزاء وقالت: "تمشي تروحي فين يا طنط؟ إنتي بعتي بيتك وعفشك، هتقعدي في الشارع؟"
​طلعت الموبايل ووريتها صورة كشف الحساب الفاضي، وصورة الحساب الجديد. وشي كان هادي وأنا بقول:
"الفلوس اللي فاضلة في الحرز والمصون، سحبتها النهاردة. أما بالنسبة للبيت اللي بعتوه وعفشي اللي تاجرتوا فيه، فالمحامي بتاعي رفع قضية "تبديد" و "استيلاء على أموال"، والنيابة هي اللي هتسألك يا محمد الفلوس دي راحت فين."
​محمد لونه خطف، واللقمة وقفت في زوره: "يا أمي إنتي هتحبسي ابنك؟ ده أنا كنت بشيلهم لك للزمن!"
رديت عليه: "الزمن جه يا محمد، وأنا مش هسجنك.. أنا بس هاخد حقي تالت ومتلت عشان أعرف أعيش اللي باقي من عمري بكرامتي."
​بصيت لسارة، حفيدتي اللي كانت بتبتسم بدموع، وقولتلها: "شنطتك جاهزة يا بنتي؟"
سارة كانت اتفقت معايا إنها مش هتقعد في البيت ده بعد اللي شافته، وهتيجي تعيش معايا في الشقة الصغيرة اللي أجرتها في منطقتنا القديمة وسط أهلي وناسي.
​لميت شنطتين الهدوم اللي جيت بيهم، وخرجت من باب الشقة وأنا مش بصه ورايا. محمد فضل يزعق ويخبط، وهبة بدأت تصوت وتلوم فيه.. بس أنا كان قلبي مطمن لأول مرة من شهور.
​رجعت لحيّي القديم، الناس استقبلتني بالترحاب، وأجرت شقة دور أرضي فيها بلكونة وشمس بتدخلها من كل ناحية. سارة بقت معايا، بتذاكر وجنبي، وأنا رجعت أزرع
ريحان في قوارير فخار على الشباك.
​اتعلمت إن الأمومة مش معناه إني أكون مداس، وإن "البر" مبيجيش بالعافية.. اللي يبيع أمه عشان قرشين، ملوش مكان في حضنها.
​دلوقتي، أنا قاعدة على كرسيّ الهزاز، بشرب الشاي، وسارة بتقرأ لي كتاب.. ومحمد؟ محمد لسه بيحاول يسدد في ديونه، وباعت لي ألف رسالة اعتذار.. بس أنا قفلت الباب اللي "يفوت جمل"، المرة دي من ناحيتي أنا.
بعد أسبوع واحد من سيباني للبيت، الموازين كلها اتقلبت.
​محمد جالي البيت الجديد وهو وشه في الأرض، ومعاه هبة اللي كانت بتحاول ترسم الابتسامة بالعافية. دخلوا وقعدوا، ومحمد بدأ يتكلم بنبرة كلها مسكنة: "يا أمي، البيت وحش من غيرك، والعيال مش بطلوا عياط، وإحنا غلطنا وحقك علينا.. والفلوس اللي اتصرفت هعتبرها دين في رقبتي وهسددهالك، بس ارجعي معانا."
​بصيت له بنظرة هادية وقولتله: "يا محمد، إنت مش جاي عشان البيت وحش، إنت جاي عشان البيت "وقف".. مفيش حد يطبخ، مفيش حد ينضف، مفيش حد يشيل العيال ببلاش، ومصاريف المربية اللي كنت بتوفرها بقت دلوقتي عبء عليك."
​هبة حاولت تتدخل وقالت: "يا طنط، إحنا أهل، والصلح خير، والناس بتاكل وشنا."
​رديت عليها: "الناس كلت وشي فعلاً لما كنت بنام في المخزن وإنتوا بتنزلوا صوركم في المصايف بفلوسي.. أنا مش هرجع يا محمد، والقضية اللي المحامي رفعها مش هتنازل عنها إلا لما تجدولي الفلوس اللي اتسحبت، بضمانات وحق قانوني يرجعلي."
​محمد حاول يلعب على العاطفة: "يعني هترضي ابنك يتجرجر في المحاكم؟"
قولتله: "إنت اللي جرجرت كرامة أمك يا ابني.. أنا هنا في وسط ناسي، والكل عارف إنك جيت عليا.. الشقة دي إيجارها مدفوع من فلوسي اللي فاضلة، ولقمتي بتعبي،
وسارة حفيدتي هي اللي منورة حياتي."
​قام محمد وهو متعصب، بس المرة دي عصبيته كانت عصبية العاجز.. عرف إن "ماما" اللي كانت بتصغر نفسها عشانهم، كبرت فجأة وما بقتش شايفة غير كرامتها.
​مرت الشهور، وبقيت بخرج مع جاراتي القدام، بنروح الدروس الدينية في الجامع، وبنقعد ندردش في الشمس.. سارة نجحت في مدرستها وجابت مجموع كبير، وقررت تدخل كلية حقوق عشان، زي ما بتقول: "محدش يضحك على حد تاني يا تيتة."
​بقيت أصحى الصبح، أصلي الفجر، وأعمل قهوتي، وأشم ريحة الريحان اللي مالي البلكونة.. عرفت إن ربنا بيعوض، وإن الواحد لما بيقف لوقفته الحق، ربنا بيسخر له كل حاجة.
​محمد بقا يبعت لي المصاريف كل شهر بانتظام (خوفاً من المحامي مش أكتر)، وأنا بقيت أقبلها كأنه بيرد دينه، وبقيت أشوف أحفادي الصغيرين في النادي مرة كل أسبوع، بس بحدودي وشروطي أنا.. ضيفة عزيزة، مش خادمة مهانة.
​عايشة دلوقتي في سلام، لا شيل هم ولا كدب ولا خديعة.. كسبت نفسي، وكسبت حفيدتي، والأهم من ده كله، إني اتعلمت إن "الجنة تحت أقدام الأمهات" دي مكانة ربنا اللي اداها لي، ومينفعش أنا أهينها عشان خاطر أي حد.. حتى لو كان ابني.
وفي يوم جمعة، والبيت عندي مليان بريحة البخور وصوت إذاعة القرآن الكريم، لقيت الباب بيخبط. فتحت لقيت محمد واقف لوحده، بس المرة دي مكنش جاي يمثل ولا جاي يطلب سماح عشان خايف من قضية. كان باين عليه إنه مكسور بجد.
​دخل وقعد، وفضل ساكت فترة طويلة، وبعدين بص للأرض وقال بصوت مخنوق: "هبة سابت البيت يا أمي.. خدت العيال وراحت عند أهلها، وقالتلي إنها مش حمل بيت ومسؤولية من غير "مساعدة"، وإنها اتعودت على العيشة اللي كان فيها كل حاجة جاهزة."

​بصيت له بصمت، فكمل وكلامه متقطع: "أنا خسرت كل حاجة.. خسرت بيتي، ومراتي، وقبلهم خسرتك إنتي.. أنا اكتشفت إني كنت عايش في وهم، وإني ضيعت اللي شالتني في عينيها عشان خاطر ناس مبيتمرش فيها."
​قرب مني وحاول يبوس إيدي وهو بيبكي: "أنا مش جاي أقولك ارجعي، أنا عارف إني مستحقش.. أنا جاي أقولك إني بعت العربية وسددت باقي فلوسك في البنك النهاردة، وده كشف الحساب.. مش عايز أموت وإنتي غضبانة عليا."
​في اللحظة دي، قلبي كأم اتحرك، بس عقلي كان لسه صاحي. طبطبت على كتفه وقولتله: "يا محمد، أنا سامحتك عشان ربنا، وعشان مفيش أم بتكره ابنها.. بس السامح مش معناه إني هنسى، ولا معناه إننا هنرجع لنفس الدايرة. الفلوس اللي رجعت دي حق ربنا، والوجع اللي في قلبي هيخف مع الوقت، بس إنت لازم تتعلم تعيش راجل، تشيل مسؤوليتك بنفسك، وتعرف إن البيت اللي متبنيش على الأصول والرحمة بيقع من أول خبطة."
​محمد نزل من عندي وهو حاسس إنه بدأ يشم نفسه من تاني، بس وهو عارف إن "ماما" القديمة اللي كانت بتضحي بزيادة ماتت، وطلعت مكانها ست قوية، عارفة قيمة نفسها كويس.
​سارة طلعت من أوضتها، حضنتني وقالتلي: "إنتي بطلة يا تيتة."
ضحكت وقولتلها: "أنا بس ست عرفت إن العمر قصير، ومينفعش نضيعه وإحنا بنرضي الناس على حساب كرامتنا، حتى لو كانوا أقرب الناس لينا."
​ومن يومها، بقى يوم الجمعة هو يومنا.. محمد بيجي يزورني، وبنتجمع أنا وهو وسارة، بنقعد نضحك ونحكي، بس كل واحد فينا عارف حدوده.. أنا في مملكتي الصغيرة، بكرامتي وريحان بلكونتي، وهو بيحاول يبني حياته من جديد على نضافة.
​دي كانت حكايتي.. حكاية الست اللي قررت إنها مش هتكون "تكملة عدد"، وطلعت من أوضة
الخزين لدنيا واسعة، ملكها هي وبس.

تم نسخ الرابط