طمع المعاش حكايات صافي هاني
قمت من مكاني براحة..
رحت للدرج، فتحته، وطلعت الدوسيه.
رجعت وحطيته على الترابيزة قدامهم.
منة كانت لسه مبتسمة..
وأحمد قرب بفضول..
زقيت الدوسيه ناحيتهم وقلت بكلمة واحدة: "اتفضلوا.. افتحوه."
منة مدت إيديها، وأحمد بص من ورا كتفها..
وأول ما شافوا أول صفحة—
الدم هرب من وشهم، والضحكة اتنطفت في ثانية.
بصوا لبعض والذهول واكل وشهم، "أحمد" جوزها كان بيقلب الصفحات وإيده بتترعش، و"منة" بدأت ملامحها تتغير من الثقة للرعب.
كانت أول صفحة في الدوسيه هي "بيان بكل المبالغ اللي خدوها مني من يوم ما اتجوزوا".. جوازات سفر، مصاريف ولادة عيالهم اللي أنا دفعتها، قسط العربية اللي أحمد لبس فيه وطلعت منه بسببي، وحتى تجديد شقتهم اللي كان من شقايا.
وقفت بكل ثبات وقلت لهم:
"ده مش بس كشف حساب باللي فات.. اقلبوا الصفحة اللي بعدها."
منة قلبت الصفحة، لقت "عقد بيع وشراء" مسجل لبيتي، بس مش باسمها ولا باسم جوزها.. أنا بعت نصيبي في البيت لجمعية خيرية وكفالة أيتام، يترد لهم بعد وفاتي، مقابل إنهم هما اللي يتكفلوا برعايتي الصحية الكاملة بفلوس المعاش اللي إنتي كنتِ جاية تقسميها معايا.
أحمد صرخ: "إنتي واعية للي بتعمليه يا حماتي؟ إنتي كده
ضحكت بوجع وقلت له:
"حقكم؟ إنت بتقول (بتاعنا) وأنا لسه فيّ النفس؟ إنت وهي بتخططوا لدهاني والبوية وأنا لسه بمشي على رجلي في الصالة؟ الحق اللي تعرفه يا أحمد هو حق ربنا.. (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).. مش (وبالوالدين استثماراً).."
بصيت لمنة اللي بدأت تعيط بس مش ندم، دي كانت دموع "الخسارة".. كانت بتعيط على الفلوس اللي طارت، مش على الأم اللي كانت هتبيعها وهي حية.
كملت كلامي:
"الدوسيه ده كمان فيه صور من رسايلكم لبعض اللي كنتوا بتبعتوها وتتمسخروا فيها على (العفش القديم) وبتقولوا (هانت مابقيش كتير والبيت يفضى).. وقعت تحت إيدي صدفة لما سيبتي تليفونك مفتوح قدامي المرة اللي فاتت."
منة حاولت تمسك إيدي وقالت: "يا ماما إحنا كنا بنهزر، والله ما قصدنا.."
سحبت إيدي براحة وقلت لها:
"الهزار بيبقى في الضحك، مش في الموت والورث.. من النهاردة، الـ ٥٠ ألف جنيه بتوعي هصرفهم على نفسي وعلى الغلابة اللي زيي.. هسافر، هحج، هعيش اللي فاضل لي بكرامتي.. والبيت ده طول ما أنا عايشة، رجلك ما تخطاهوش إلا لو جاية تسألي على أمك وبس.. من غير شنط، ومن غير طلبات."
قمت وفتحت باب الشقة، وشاورت لهم لبره:
"يالا يا منة..
خرجوا والكسرة والغل باينين عليهم، قفلت الباب وراهم بالمفتاح، وسجدت لربنا سجدة شكر طويلة.. لأول مرة من سنين، أحس إن البيت فعلاً هدي.. وإني أخيراً "حرة".
بعد ما قفلت الباب، قعدت على الكنبة اللي كان أحمد متربع عليها من شوية.. حسيت بتقل اتشال من فوق صدري، بس في نفس الوقت حسيت بوجع الأم اللي بتكتشف إن زرعها طلع "مر".
فات أسبوع.. وتليفوني مابطلش رن.
منة كانت بتبعت رسايل كلها استعطاف: "يا ماما أنا بنتك الوحيدة"، "يا ماما العيال بيسألوا عليكي"، "يا ماما أحمد كان مضغوط في الشغل ومقصدش".
كنت بقرأ الرسايل وأنا ببتسم بمرارة، لأنها في وسط الكلام كانت بترمِي جملة زي: "طب بس نلغي العقد اللي عملتيه للجمعية عشان نأمن مستقبل العيال". لسه برضو عينيها على اللي في إيدي، مش على اللي في قلبي.
في يوم، جالي خبط على الباب.. كانت الحاجة زينب جارتي، ومعاها صينية بسبوسة.
دخلت وقعدت وقالت لي: "سمعت اللي حصل يا أم منة.. شابة برافو عليكي، بس هتقدرِي تعيشي لوحدك؟"
بصيت لها وقلت لها: "يا زينب، أنا بقالي ٤٠ سنة في وسط دوشة المستشفيات
قررت أنفذ اللي في الدوسيه..
أول قبض للمعاش، خدت منه مبلغ وطلعت بيه على "دار الأورمان"، واتفقت معاهم على كفالة طفلين يتيمين بانتظام. الـ ٥٠ ألف جنيه اللي كانوا شايفينهم "كتير على فرد واحد"، بقوا بيفتحوا بيوت تانية ويدخلوا الفرحة على قلوب محتاجة فعلاً.
وضبت الشقة، دهنتها الألوان اللي أنا بحبها مش اللي "تمشي مع الموضة" عشان خاطر أحمد ومنة. اشتريت كام زرعة حطيتهم في البلكونة، وبقيت أشرب القهوة بتاعتي الصبح وأنا بسمع إذاعة القرآن الكريم بذهن صافي.
منة لسه بتحاول، بس أنا حطيت حدود..
بقت لما تيجي، تدخل تقعد في الصالة، لا بتفتح تلاجة ولا بتدخل أوض. بقت ضيفة.. والضيف ملوش إنه يغير ديكور البيت ولا يسأل صاحب البيت: "إنت شايل كام في البنك؟"
عرفت ساعتها إن "الأهل" مش بس بالدم، الأهل هما اللي يشيلوك وإنت حي، مش اللي يستنوا موتك عشان يورثوك.
رفعت راسي للسما وقلت: "الحمد لله يا رب.. الواحد بيعيش العمر كله يتعلم، وأنا اتعلمت إن الراحة مابتجيش بالفلوس، الراحة بتيجي لما تنضف حياتك من أي حد بيحبك عشان
تمت.