كسر الصمت العائلي حكايات صافي هاني
روحت أفطر مع ولادي، وأول ما شافني أبويا بص لي بقرف وقال اليوم كان ماشي زي الفل.. لحد اللحظة دي! ابني ضغط على إيدي وهمس لي يا ماما، هو إحنا مش مرغوب فينا هنا؟ في الليلة دي، قفلت باب عمري ما هفكر أفتحه تاني.
لو الست دي ظهرت هي وعيالها، اليوم باظ.
قالها أبويا بصوت هادي، كأنه بيطلب كوباية شاي مش كأنه بيطعنني قدام نص العيلة. كنا بنفطر في مطعم شيك، من الأماكن اللي فيها معجنات غالية وترابيزات طويلة، والناس اللي بتضحك بس عشان الصورة تطلع حلوة. أمي كانت بعتت على جروب العيلة من تلات أيام يوم الأحد الساعة 11، الكل ييجي. الكل.. وأنا افتكرت إن ولادي داخلين تحت كلمة الكل دي.
ياسين ضغط على إيدي أول ما سمع الكلمة، عنده 7 سنين ولسه بيعمل الحركة دي لما بيحس بخوف. مريم الصغيرة، خبت نفسها ورا ظهري وهي مش فاهمة في إيه بالظبط، بس حاسة إن الجو مكهرب. العيال دايماً بيحسوا قبلنا.
الأسوأ من قسوة أبويا الحاج عثمان، كان سكوت الباقيين.
أخويا هاني فضل يصب لنفسه عصير وكأنه مش سامع حاجة. مراته عدلت شنطتها وبصت في الأرض. وأمي الحاجة زينب عملت نفسها مشغولة بالمنديل. خالاتي قعدوا متخشبين، نفس نظرة الجبن بتاعة الناس اللي بتفضل تبلع الإهانة بدل ما تواجه الحقيقة.
ما حدش قال عيب تتكلم معاها كدة.
ما حدش قال العيال قاعدين.
ما حدش قال خلاص يا حج، اهدى.
ولا كلمة.
بعدين ياسين بص لي وسألني بصوت واطي
ماما.. هو إحنا مش مرغوب فينا هنا؟
في اللحظة دي في حاجة جوايا اتكسرت، بس من غير صوت. زي شرخ قديم بقاله سنين بيسرح فيا، وأخيراً انقسم. الموضوع ما كانش بس الصبح ده، ولا الكلمة دي.. دي كانت حياتي كلها محطوطة على الترابيزة قدامي.
أبويا اللي من صغري بيقولي إني نكدية وببوظ القعدة عشان حساسة زيادة.
أمي اللي دايماً تطلب مني أسكت، وما أعملش فضيحة، وأراعي طبع الكل.
أخويا البرنس اللي ما بيغلطش، والكل بيسامحه على أي حاجة.
وأنا.. البنت الجدعة. اللي بتساعد، اللي بتسلف، اللي بتشيل في النقل والعزومات والطوارئ والفواتير، وبشيل قرفهم وسكوتهم واعتذاراتهم الباردة.
المطلقة.
اللي وجودها تقيل.
اللي لازم تفضل تضحك حتى وهي بتنزف.
بس كله كوم، وإن ولادي يبدأوا يتعلموا نفس الدرس المسموم ده كوم تاني خالص؛ درس إن الحب لازم تتسوله، وإنك لازم تستحمل الذل عشان تبقى جزء من العيلة.
وطيت وبست ياسين من راسه وقلت بكل ثبات
إحنا ماشيين.
ما عملتش فضيحة، ما صرختش، ولا حتى عيطت. ما استنيتش تبرير من ناس أدمنوا الجبن سنين. بصيت بصه واحدة
شكراً إنك وضحتِ الصورة قدامهم.. وفرتِ عليا شرح كتير.
أخدت مريم في إيدي وخرجنا إحنا التلاتة. ما حدش جرى ورانا، ما حدش قالنا استنوا، ولا حتى رايحين فين. وده أكد لي إن قراري كان صح.
برا، كانت الشمس طالعة ومنورة الدنيا وكأن ما فيش حاجة حصلت. ركبت العيال العربية. مريم سألتني ببراءة لو كانوا عملوا حاجة غلط، قلت لها لأ. وياسين سألني لو جده زعلان منه، قلت له لأ.. رغم إن ناري كانت قايدة من جوايا.
بعد الظهر فسحتهم، جبتلهم آيس كريم، ودخلنا السينما، وعملت نفسي طبيعية جداً زي ما كل الأمهات بتعمل لما قلبهم بيتكسر. بس لما ناموا والبيت هدي، قعدت لوحدي في المطبخ، فتحت جروب العيلة، وكنت عارفة إن الليلة دي هي اللي هتغير كل حاجة.
ما كنتش متخيلة إن العاصفة الحقيقية لسه ما بدأتش.. وإن اللي جاي هيكون أصعب بكتير.
فتحت جروب العيلة على الواتساب، صوابعي كانت بتترعش بس مش من الخوف، دي كانت رعشة حد أخيراً قرر يرمي الحِمل اللي هدّ حيله. لقيتهم باعتين صور الأكل والضحك وكأننا ما كناش موجودين أصلاً، وكأن بنته وعياله مالهمش مكان حتى في ذكرى اليوم.
كتبت جملة واحدة من النهاردة، الكل اللي في رسايلكم ما يخصنيش.. والباب اللي اتوارب عشانكم سنين،
عملت غادرت المجموعة وعملت بلوك لكل الأرقام.
تاني يوم الصبح، كنت متوقعة تليفونات، كنت متوقعة حد يجي يخبط على الباب يعتذر، أو حتى يلومني.. بس اللي حصل كان أغرب. لقيت المحامي بتاعي بيكلمني وبيقولي إن أخويا هاني باعت إنذار بخصوص الشقة اللي أنا قاعدة فيها، شقة جدي اللي أبويا كان كاتبلي حق انتفاع فيها عشان ست مطلقة ومعاكي عيال.
اتاري الهدوء اللي كان في المطعم ما كانش جبن بس، ده كان تخطيط. أبويا قرر يكسرني بجد، وقرر يخليني ألف حوالين نفسي عشان ألاقي سكن ليا ولولادي، لمجرد إني اتجرأت ورفضت الإهانة.
موبايلي رن من رقم غريب، رديت وأنا حاسة بمرارة في حلقي. كان صوت أمي، بس مش الصوت الحنين اللي كنت محتاجاه.
شوفتي يا فوزية؟ أهو أبوكي حلف ما تبيتي في الشقة دي ليلة كمان. عجبك كدة؟ ضيعتي نفسك وضيعتي عيالك عشان كلمة لا راحت ولا جت. اذهبي وبوسي إيده ورجله عشان يسامحك، والغي اللي عملتيه ده.
قفلت السكة في وشها. دموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي ما كانتش دموع ضعف. كانت دموع الوداع الأخير لأي أمل كان عندي فيهم.
بصيت لياسين ومريم وهم بيلعبوا في الصالة، مش فاهمين إننا ممكن نترمي في الشارع خلال أيام. قمت، مسحت دموعي، وطلعت ورقة