كسر الصمت العائلي حكايات صافي هاني
الصغيرة. كانت ضيقة، بس كانت واسعة جداً لأن ما فيهاش ريحة الخوف.
ياسين بص لي وقال ماما، إحنا هنا لوحدنا؟
قلت له إحنا هنا مع بعض يا حبيبي.. وده أهم بكتير.
قفلت باب الشقة ورايا، والمرة دي، رميت المفتاح القديم في أقرب صفيحة زبالة وقررت إني عمري ما هبص ورايا تاني. العاصفة هديت، بس اللي اتبنى بعدها كان أقوى من أي ريح.
تفتكروا فوزية هتقدر تكمل لوحدها فعلاً، ولا ضغوط العيلة والمجتمع هترجعها تاني تحت طوعهم؟
مرت الشهور، والحياة في الشقة الجديدة كانت هادية وصعبة في نفس الوقت. الشغل في الحضانه كان بياخد كل طاقتي، والمرتب يا دوب بيكفي الإيجار والمصاريف بالعافية، بس كنت بنام مرتاحة. ولادي بدأوا يضحكوا من قلبهم، وياسين مابقاش يضغط على إيدي وهو خايف، بالعكس، بقى هو اللي بيمسك إيدي عشان يعديني الشارع ويحسسني إنه
في يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت هاني أخويا واقف قدام باب العمارة. كان شكله مش هو البرنس بتاع زمان، وشه كان مخطوف وعينه فيها قلق.
أول ما شافني، حاول يرسم الابتسامة الصفرا بتاعته وقال
إيه يا فوزية؟ هانت عليكي العشرة؟ كل ده غياب؟
بصيت له ببرود وقلت له
عايز إيه يا هاني؟ لو جاي بخصوص الشقة، أنا قولت لك ماليش دعوة بحاجة تخصكم.
هاني اتنهد وقال بصوت واطي
أبوكي تعبان يا فوزية.. بجد المرة دي. ومن ساعة ما مشيتي وهو مابينطقش غير اسمك. والمصيبة مش هنا.. المصيبة إن البيت اللي إحنا فيه طلع عليه مشاكل في الورث، والناس اللي جدك كان واخد منهم الأرض ظهروا ومعاهم ورق يثبت حقهم.. إحنا ممكن نتطرد في أي لحظة.
ضحكت بوجع وقلت له
سبحان الله! الدنيا دارت يا هاني؟ يعني اللي كنتوا عايزين تعملوه فيا، ربنا بيسلطه
هاني مسك إيدي وقال بلهفة
أبوكي عايز يشوفك.. وعايز يكتب لك نصيبه في الأرض اللي فاضلة عشان يحميها من الورثة التانيين، عارف إنك الوحيدة اللي قلبك أبيض ومش هتطمعي فينا، وعارف إنك الجدعة اللي هتوقف المحامين على رجل واحدة.
سحبت إيدي منه ببطء وقلت له
أنا فعلاً جدعة يا هاني.. بس الجدعنة دي خلصت رصيدها عندكم. أنا مش هحمي أرض حد داس على كرامتي ورمى ولادي. أما بخصوص بابا، أنا هزوره عشان دي صلّة رحم وديني بيأمرني بكدة، لكن ورق وأملاك وتوكيلات.. انساها.
روحت البيت عند بابا، البيت اللي كان دايماً ريحته خوف. دخلت أوضته، لقيته خاسس جداً وضعيف. أول ما شافني، عينه دمعت وحاول يرفع إيده يمسك إيدي.
ميلت عليه وبُست راسه، قعدت جنبه نص ساعة، ما اتكلمناش في فلوس ولا في شقق. اتكلمنا عن ياسين ومريم، وعن الشغل. كان
وأنا خارجة، أمي حاولت توقفني وتقولي خليكي يا بنتي، البيت بيتك.
قلت لها البيت ده كان بيتي لما كنت بحس فيه بالأمان.. دلوقتي، بيتي هو الحتة اللي ولادي بيضحكوا فيها وهما مش خايفين.
رجعت شقتي الصغيرة، حضنت ياسين ومريم ونمنا وإحنا شبعانين كرامة. عرفت وقتها إن العاصفة ما كانتش جاية عشان تدمرني، دي كانت جاية عشان تنضف حياتي من كل الناس اللي كانوا حِمل عليا وهما المفروض سندي.
دي كانت حكايتي.. حكاية الست اللي اختارت نفسها وولادها في زمن كان السكوت فيه أسهل بكتير من المواجهة. ومن يومها، عمري ما ندمت للحظة واحدة إني قفلت الباب ده.
تفتكروا الندم اللي شفته في عين أبويا كان حقيقي؟ وهل الإنسان ممكن يتغير فعلاً لما