بيت البحيره حكايات صافي هاني
بنتى سابتلي رسالة صوتية قصيرة وباردة، صوتها كان فيه نبرة غريبة، نبرة حد بيبيع بيعة ومش عايز يرجع فيها: "يا ماما، ملوش لزوم تيجى المصيف السنة دي.. (هاني) شايف إن الأحسن نسيب بيت البحيرة لعيلتنا الصغيرة بس.. إنتي فاهمة طبعاً، المكان مش هيكفينا كلنا.. بحبك".
وكأن حيطان الخشب، والباب الأخضر، ومرجيحة الشرفة، وكل مسمار في المكان ده مندفعش ثمنه من شقايا ومتبناش من حلم جوزي الله يرحمه.. مسكت نفسي وما نطقتش بكلمة، ووقعت الورق في هدوء تام، وسبتهم يسافروا يقضوا أجازة العيد مع أهل (هاني) والعيال وكل خططهم اللي فيها تعالي وتكبر.. ولما لورين كلمتني وهي بتصوت ومنهارة وبتقول إن فيه عربية غريبة واقفة في الجراج، وناس بترموا شنطهم في الشارع، رديت عليها ببرود مرعب وقلت لها: "أنا بس فضيت لي مكان.. ومكانكم مابقاش هنا خلاص".
الرسالة دي جاتلي يوم الثلاثاء الساعة 7 إلا ثلث بالظبط، وأنا واقفة قدام البوتاجاز بقلب حلة الشوربة.. عارفة الوقت بالثانية، لأن في اللحظة دي بالذات، عقلك بيسجل أدق التفاصيل اللي هتبقى بعد كدة دليل في قضية.. أو ذكرى لانتقام.
وقفت مكاني والمعلقة الخشب في إيدي والبخار طالع في وشي، وحسيت بحاجة جوايا بتنطفي.. أو يمكن بتشتعل.
طفيت البوتاجاز.
بصيت لقطع العجين وهي عايمة في الحلة نص سوا، وفكرت في
اسمي نعمات، عندي 68 سنة.. اشتغلت ممرضة 34 سنة، شفت الموت بعيني مئات المرات، وتعلمت إزاي أتعامل مع الجثث ومع الأحياء اللي قلبهم ميت.. أنا مش ممرضة عادية، أنا ست بتعرف إمتى تسكن الوجع.. وإمتى تنهيه تماماً.
بعد وفاة إسماعيل، قطعت له وعد وأنا لوحدي في الضلمة، وإيدي على مكانه الفاضي في السرير.. قلت له هبني "بيت البحيرة" اللي حلمنا بيه، البيت اللي كان بيرسمه على المناديل.. بيت يلمنا كلنا.
لكن بنتي وجوزها افتكروا إن البيت ده "ورث" مستنيين موتي عشان ياخدوه، وافتكروا إن سكوتي "ضعف".
باعوني في رسالة صوتية مدتها 20 ثانية عشان يوفروا سرير لأهل جوزها.. مكنوش يعرفوا إن الورق اللي وقعته في صمت مكنش تنازل عن البيت.. ده كان "قنبلة" موقوتة هتنفجر في وشهم أول ما يحطوا رجلهم هناك.
دلوقتي، لورين بتصرخ في التليفون، وهاني بيحاول يكلم المحامي بتاعه، والشرطة في الطريق.. وأنا؟ أنا قاعدة في مطبخي الهادي، بكمل طبق الشوربة بتاعي وببتسم.. لأني لسه محكيتش ليكم أنا عملت إيه في توكيل البيع، ولا مين الناس اللي مستنيينهم جوه البيت!
لورين كانت بتصرخ في التليفون وصوتها بيترعش: "يا ماما الحقيني!
شربت معلقة شوربة دافية، وحسيت بطعم الفلفل الأسود بيحرق لساني ببطء، وقلت لها بنبرة هادية جداً:
"مش ده اللي أنتم عايزينه يا لورين؟ مش قلتوا إن المكان مش هيكفينا كلنا؟ فقررت أحل المشكلة دي من الجذور.. البيت فعلاً مابقاش ملككم، ولا حتى ملكي."
لورين سكتت للحظة وكأن صدمة الكهرباء لجمتها، وبعدين صرخت: "يعني إيه؟ بعتيه؟ بعتي حلم بابا يا ماما؟"
ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة ممرضة شافت كتير وما بقاش يفرق معاها:
"لا يا حبيبتي، مبعتوش.. أنا وهبته. البيت ده من اللحظة دي بقى (دار ضيافة لممرضات مستشفى القصر العيني) اللي معاشهم مش مكفيهم يقضوا يومين راحة.. البيت دلوقتي مليان ستات شقوا زيي، ستات بيعرفوا يعني إيه قيمة اللقمة وقيمة السكن، ومسؤولين من جهة رسمية لا هاني ولا مية زي هاني يقدروا يمشوهم."
صوت هاني طلع في الخلفية وهو بيشتم وبيهدد إنه هيرفع قضية "حجر"، رديت عليه وأنا لسه ببتسم:
"يا هاني يا حبيبي، قبل ما تتعب نفسك وتدفع للمحامين، اسأل لورين عن الورق اللي وقعته قدامها الأسبوع اللي فات وهي فاكرة إنه تنازل ليها.. ده كان تقرير طبي مفصل بحالتي العقلية السليمة وتبرع موثق في الشهر العقاري لا رجعة فيه.. أنا ممرضة
قفلت السكة في وشها.. المرة دي مفيش "تكة" رد آلي، فيه صمت تام.
قمت وغسلت الطبق بتاعي، ونشفت إيدي في الفوطة بهدوء. بصيت لصورة إسماعيل اللي على الحيطة وقلت له: "الصبر يا إسماعيل.. أنا صبرت لحد ما استويت، والمرة دي المرق طلع مظبوط أوي."
البيت اللي كان ريحته "أرز وخطافات صيد"، دلوقتي بقى ريحته "عدل".. والسرير اللي لورين كانت عايزة توفره لأهل جوزها، بقى بينام عليه ستات غلابة بيدعوا لإسماعيل بالرحمة في كل سجدة.
أنا نعمات.. والنهاردة بس، عرفت أنام وأنا مرتاحة، لأني أخيراً.. فضيت لنفسي مكان.
صوت لورين اختفى من السماعة، وحل محله صوت "هاني" وهو بيزعق بهستيريا: "إنتي اتجننتي يا حماتي؟ إنتي عارفة البيت ده يسوى كام دلوقتي؟ ده بملايين! إنتي ضيعتي ورث عيالك عشان شوية ممرضات؟ أنا مش هسكت، أنا هحبسك!"
رديت عليه بمنتهى البرود، وأنا بمسح رخامة المطبخ بحركات دائرية منتظمة:
"أحبسني يا هاني.. السجن للعواجيز اللي زيي مش أوحش من الوحدة اللي كنتم ناويين تحطوني فيها.. وبعدين ورث إيه اللي بتتكلم عنه؟ أنا لسه عايشة، والمال مالي، والبيت بيت إسماعيل.. وإسماعيل ميرضاش أبداً إن بيته يبقى مكان للتعالي والطبقية.. بيته مفتوح للي يستحقه."
قفل السكة في