بيت البحيره حكايات صافي هاني
فتحت شباك المطبخ، وشميت هوا الليل البارد. فجأة موبايلي نور برسالة.. كانت صورة مبعوتة من واحدة من الممرضات اللي استلموا البيت النهاردة. الصورة كانت لمرجيحة الشرفة اللي "إسماعيل" كان راسمها، وقاعد عليها اتنين ستات كبار في السن، لابسين جلاليب بسيطة، وفي إيديهم كوبايات شاي، وبيضحكوا من قلبهم وهما بيبصوا للبحيرة وقت الغروب.
تحت الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة:
"تسلم إيدك يا ست نعمات.. أول مرة نحس إننا بني آدمين ولينا قيمة بعد المعاش.. ربنا يرحم الأستاذ إسماعيل."
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة.
بصيت للساعة الرقمية فوق الميكروويف، كانت بقت 8:15.
الدنيا لسه مضللمة، بس أنا لأول مرة من سنين، حاسة إن النور طالع من جوايا.
هاني ولورين حاولوا يرجعوا، حاولوا يكسروا الباب، بس الأمن اللي بعتته النقابة كان واقف زي السد.. والناس في المنطقة هناك لما عرفوا إن البيت بقى "صدقة جارية"، وقفوا كلهم مع الممرضات ضد هاني.
لورين بعتت لي رسالة أخيرة بالليل بتقول فيها: "بعتيني يا ماما؟ بعتي بنتك الوحيدة؟"
رديت عليها بكلمتين اتنين بس:
"أنا مبعتكيش يا لورين.. إنتي اللي استخسرتي فيا أوضة في بيت أنا اللي بانية حيطانه.. أنا بس علمتك إن اللي ملوش خير في أهله، ملوش خير في ملكه."
حطيت الموبايل في الدرج، وقفلت النور، ورحت سريري.. ونمت أعمق نومة نمتها من يوم جنازة إسماعيل.
لأن الصبر فعلاً كان
بعد أسبوع، الباب خبط.
كنت عارفة إنها هي. لورين واقفه قدام الباب، ملامحها باهتة، وتحت عينيها سواد عمري ما شفته قبل كدة. مكنش معاها هاني، ولا العيال، كانت لوحدها تماماً.
فتحت لها الباب وسكتّ. دخلت المطبخ وقعدت على نفس التربيزة اللي كانت بتقعد عليها وهي صغيرة بتذاكر دروسها. بصت لحلة الشوربة اللي لسه على البوتاجاز، وقالت بصوت مخنوق:
"هاني ساب البيت يا ماما.. قال لي إن الجوازة دي كانت قايمة على أساس إننا هنبني مستقبلنا ببيتك وأملاكك، ودلوقتي مابقاش فيه مستقبل.. خد العيال وراح لأهله."
محركتش ساكن، فضلت واقفة مكاني وسألتها:
"وإنتي يا لورين؟ كنتي متجوزاه هو، ولا متجوزة الورث؟"
عيطت.. عياط حراق، عياط حد اكتشف فجأة إنه خسر كل حاجة في مقامرة خسرانة.
"أنا أسفة يا ماما.. أنا مشيت وراه، صدقته لما قال لي إننا لازم نفكر في بكره، ونسيت إن بكره ده ملوش طعم لو مفيش فيه حضنك."
قربت منها، مش عشان أطبطب عليها، لسه بدري على كدة.. الصبر علمني إن الجروح لازم تتنظف الأول قبل ما تتداوى. قلت لها:
"عارفة يا لورين.. الممرضات في بيت البحيرة سألوني عليكي. قالوا لي 'فين بنتك اللي البيت ده كان بيتحكي لها عنه وهي صغيرة؟'.. قلت لهم بنتي بتتعلم درس في الصبر.. درس إسماعيل الله يرحمه."
بصت لي بلهفة وقالت: "يعني ممكن ترجعي في التبرع؟ ممكن نرجع عيلة تاني؟"
ابتسمت بمرارة وقلت
"التبرع ميرجعش يا بنتي، الحق ميرجعش لأصحابه القدام لو فرطوا فيه.. بس البيت كبير، والممرضات محتاجين حد يدير المكان، حد فاهم قيمة البيت ده.. لو عايزة ترجعي، هترجعي 'موظفة' في بيت أبوكي، تخدمي الستات اللي شقوا زيه، وتعرفي إن اللقمة اللي بتيجي بالتعب طعمها أحلى بكتير من اللقمة اللي بتيجي بالاستقواء على الأم."
سكتت لورين، وبدأت تستوعب إن حياتها القديمة انتهت للأبد، وإن نعمات "الممرضة" مش بس فضيت لنفسها مكان.. دي أعادت ترتيب الكون كله من حواليها.
أنا نعمات.. اللي النهاردة بس قدرت أقول إن "إسماعيل" نايم مرتاح، لأن بنته أخيراً بدأت تتعلم إزاي تمسك المعلقة الخشب، وتقلب الشوربة ببطء، وتصبر لحد ما المرق يستوي على ناره الهادية.
مر شهر.. البيت مابقاش مجرد جدران، بقى "حكاية" الناس كلها في المنطقة بتحكي عنها.
لورين وافقت. كانت بتيجي كل يوم الصبح، تقلع طقم "الهانم" وتلبس لبس عملي، وتنزل تشرف على الوجبات اللي بتتقدم للممرضات، وتنظم مواعيد الراحة. في الأول كانت بتعمل ده وهي حاسة بالذل، بس مع الوقت، لما بدأت تسمع حكاوي الستات دول.. اللي قضت عمرها في غرف العمليات، واللي سهرت ليالي تداوي غريب، بدأت ملامح وشها تلين، وبدأت تفهم "إسماعيل" كان شايف إيه في البيت ده.
في يوم، لقيتها قاعدة مع ممرضة قديمة اسمها "ست فوزية"، ممرضة كانت زميلتي زمان. فوزية كانت بتحكي لها عني:
"يا بنتي، أمك
لورين بصت لي وأنا داخلة، ولأول مرة من سنين شوفت في عينيها نظرة "بنت" لأمها، مش نظرة "وارثة" لصاحبة ملك.
قربت مني وهمست: "ماما.. هاني اتصل بيا النهاردة، عايز يرجع، وبيقول إن أهله ضغطوا عليه عشان العيال محتاجين أمهم.. بس هو لسه بيسأل عن 'قضية البيت' وصلت لفين."
بصيت لها وقلت لها بمنتهى الهدوء: "وقلتي له إيه يا لورين؟"
سكتت لثانية، وبعدين طلعت موبايلها ووريتني الرسالة اللي بعتتها له:
"البيت ملوش قضية يا هاني.. البيت له (صاحبة) وله (رسالة).. ولو عايز ترجع لمرأتك، ترجع لبيت إيجار نبنيه سوا من عرقنا، مش من شقى أمي. لو موافق أهلاً بيك، لو مش موافق.. فالمساحة اللي فضيتها ماما تسعنا كلنا."
في اللحظة دي، حسيت إن "إسماعيل" واقف جنبي وبيضحك.
البيت مابقاش "سلاح" خلاص.. بقى "حضن".
نزلت تحت، رحت لمرجيحة الشرفة، قعدت وبصيت للمية وهي بتلمع تحت ضوء القمر. ريحة الياسمين مع ريحة القهوة كانت مالية المكان. مكنتش لوحدي، كان فيه أصوات ضحك جاية من جوه، وصوت لورين وهي بتنادي على "فوزية" تسألها عن طريقة عمل "البسكوت" اللي كانت جدتها بتعمله.
أنا نعمات.. اللي النهاردة بس، قفلت دفتر الحسابات القديم، وفتحت صفحة جديدة مفيهاش "ديون".
لأن الصبر لما بيستوي
تمت.