ابن جوزي اهني حكايات صافي هاني
تشتري فيه دماغك بعيد عني."
سبته واقف مذهول، مكنش مصدق إن الست اللي كانت بتلم الفتافيت وراه ووراء ابنه، هي نفسها الست اللي قفلت باب حياتها في وشه بكلمة واحدة.
خرجت من البيت وأنا حاسة بوزن جبل انزاح من على صدري.. اتعلمت إن اللي مبيعملش لنفسه حدود، مفيش حد هيعملهاله.. وإن السكوت ساعات مبيكونش رضا، ده بيبقى مجرد وقت مستقطع عشان نجهز فيه لرمية
نزلت السلم وأنا سامعة صوته بينادي عليا من ورا الباب، صوته اللي كان فيه نبرة تعود إنه دايمًا بيلاقي حل عندي، بس المرة دي مكنش فيه رجوع. ركبت عربيتي ووقفت دقيقة أتنفس.. لأول مرة من سنين أحس إن الهوا اللي داخل صدري نضيف، ملوش طعم الندم ولا ريحة الاستجداء.
رحت قعدت عند أخويا، وطبعًا "خالد" مكنش متخيل إن الموضوع بجد. فضل يبعت رسايل:
"يا هبة استهدي بالله، البيت هيتخرب، الولد ملوش ذنب في عصبيته، إحنا ملناش غيرك."
رديت عليه برسالة واحدة بس:
"البيت مبيخربش لما الست بتمشي.. البيت بيخرب لما الراجل بيبطل يبقى راجل ويحميها في بيته. إنت اللي خربته بسكوتك، وأنا اللي عمرته بصبري.. وصبري خلص."
مر الأسبوع، وحاول يدخل ناس كبار من
بصيت له بكل احترام وقلت له: "يا حاج، المركب اللي تمشي على كرامة الست بتبقى غرقانة وهي لسه في المينا. أنا شيلت وشيلت كتير، وكنت بداري عيوبهم عشان أحافظ على شكل البيت قدام الناس، لكن لما توصل إن ابنه يهينني في بيتي وجوزي يشجع ابنه بسكوته، يبقى المركب دي مأواها القاع. أنا مش طالبة غير حقي الشرعي، والبيت يفضى في الميعاد."
وفعلاً، اليوم اللي استلمت فيه مفاتيح شقتي وهي فاضية، كان هو اليوم اللي "خالد" عرف فيه قيمة كل حاجة كنت بعملها من غير ما أتكلم. عرف قيمة الأكلة السخنة، والمصاريف المتدبرة، والهدوء اللي كان فاكره "حق مكتسب".
"عمر" ابنه، اللي كان فاكر إن الدنيا بتمشي بـ"طولة اللسان"، لقى نفسه في مواجهة الحقيقة.. أبوه مكسور، ومفيش حد يحل له مشاكله ولا يدفع له مليم.
أما أنا، بدأت من جديد.. شقتي بقت جنة صغيرة، مفيهاش صوت عالي، ولا نظرات كره، ولا راجل بيشتري دماغه على حساب كرامتي. اتعلمت إن الست لما بتشيل بتشيل بجد، ولما بتقرر تمشي،
الخلاصة:
اللي مبيعرفش يصون النعمة، ميبكيش لما تضيع من إيده.. والست اللي بتشيل البيت على كتافها، قادرة برضه تهد الدنيا فوق دماغ اللي يقلل منها.
عدت الشهور، وحياتي بدأت تاخد شكل جديد خالص. ركزت في شغلي، ورجعت أهتم بنفسي وصحتي، والهدوء اللي في بيتي كان أحلى مكافأة لقلبي. وفي يوم، وأنا خارجة من شغلي، لقيت "خالد" واقف قدام العربية.
كان باين عليه التعب، هدومه مش مهندمة زي زمان، ووشه شايل هموم الدنيا. أول ما شافني، قرب وهو مطاطي راسه وقال بصوت مكسور: "هبة، أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.. أنا عارف إن اللي انكسر مبيصلحوش كلام."
وقفت وبصيت له بهدوء، وقلت له: "خير يا خالد؟ في حاجة تانية محتاج تقولها؟"
قال لي بصوت مهزوز: "أنا جيت بس أقولك إنك كان عندك حق في كل كلمة. من يوم ما مشيتي، والبيت بقى زي الخرابة. عمر مبقاش طايق القعدة معايا، ودايمًا بيحملني ذنب إن حياتنا باظت. هو كمان حاله اتلخبط، ولما ملقاش اللي يطبطب عليه ويدلع لقى نفسه في مواجهة الدنيا بجد.. وانكسر يا هبة. عرف إن اللسان الطويل مبيأكلش عيش، وإن اللي كان حاميه بجد هو 'الست' اللي
سكت شوية وكمل وهو عينه مدمعة: "أنا النهاردة جاي أعتذر لك قدام ربنا.. أنا مكنتش راجل معاكي، كنت أناني، خفت من مواجهة ابني وضيعت اللي كانت شيلاني وشايلاه. أنا بعت العربية وسددت ديون المدرسة، وبدأت أشتغل ورديتين عشان ألم اللي فاضل.. بس أهم حاجة خسرتها هي إنتي."
بصيت له ولقيت جوايا شفقة، بس مفيش ندم ولا رغبة في الرجوع. قلت له بوضوح: "يا خالد، الاعتذار مقبول.. بس مش معناه إن الطريق هيتفتح تاني. أنا سامحتك عشان أصفي حساباتي مع ربنا وأرتاح، لكن الدرس اللي لازم تتعلمه إنت وعمر إن الكرامة أغلى من أي لقمة أو سكن. ربنا يوفقك في حياتك، ويصلح حال عمر.. يمكن اللي حصل ده يكون البداية إنه يبقى راجل بجد، ويعرف إن الست مش خادمة، دي عمود البيت اللي لو وقع، الكل بيقع."
ركبت عربيتي ومشيت، وهو فضل واقف مكانه يصغر في مراية العربية لحد ما اختفى تمامًا.
دي كانت النهاية اللي استحقها.. مش انتقام بالشر، لكن انتقام بالاستغناء. علمتهم إن "السكوت" اللي كان بيعتبروه ضعف، كان هو القوة اللي ممسكة حياتهم.. ولما القوة دي اتسحبت، كل شيء انهار.
قفلت الصفحة دي للأبد، وفتحت صفحة