اهل يتركو ابنهم حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​تفتكروا الأم والأب دول ممكن يطلبوا إيه من ابن رموُه من عشرين سنة؟ والسر اللي خلاه يتمنى إنه مسمعوش يطلع إيه؟
حبست نفسي وأنا شايفها بتنهار قدامي، وأبويا واقف وراها ساند على الحيطة كأنه شوال فاضي.. مكنتش حاسس بوجع، كنت حاسس بذهول. سألتها بصوت طالع بالعافية: "محتاجيني في إيه؟ بعد كل السنين دي.. جايين تدوروا عليا عشان محتاجيني؟"
​أمي مسكت إيدي بقوة خلتني أتنفض، وقالت والشهقة كاسرة صوتها:
"أختك يا ابني.. أختك الكبيرة اللي مشيت معانا من الكنيسة يومها.. بتموت".
​لثانية قلبي رق، افتكرت البنت الصغيرة اللي كانت ماسكة إيدهم وهما ماشيين وسايبيني، قلت يمكن محتاجة نقل دم، فصيلة نادرة، أي حاجة من ريحة العيلة.. بس اللي قالته بعد كدة نزل عليا زي السكينة.
​بصت في الأرض وقالت: "أختك عندها فشل كبدي حاد، والدكاترة قالوا ملهاش حل غير زرع فص كبد.. وإحنا جربنا، مفيش حد فينا نفع، والوقت بيجري.. أنت أملها الوحيد يا ابني، عشان كدة جينا".
​ضحكت.. ضحكة مكتومة طالعة من كتر القهر، وبصيت لأبويا اللي كان لسه باصص في الأرض، قلتله: "يعني إنتوا
مكنتوش بتدوروا عليا؟ إنتوا كنتوا بتدوروا على (قطع غيار)؟"
​أمي صرخت وهي بتركع تحت رجلي: "متظلمناش! إحنا يوم ما سيبناك كنا عارفين إن الكنيسة هتربيك أحسن مننا، كنا فقرا ومش لاقيين ناكل.. سيبناك لربنا عشان نضمن لك مستقبل، لكن أختك ذنبها إيه تضيع؟"
​هنا بقى مقدرتش أسكت، سحبت إيدي من وسط إيديها وقلت لها الكلمة اللي قطعت النفس في الأوضة:
"أنا مش هسألكم سيبتوني ليه، لأني خلاص اتعودت أعيش من غيركم.. بس السؤال اللي بجد ومخوفني، هو إنتوا ليه خدتوا أختي معاكم وسيبتوني أنا بالذات؟"
​أبويا نطق لأول مرة بصوت ميت: "عشان أختك كان عندها تأمين صحي باسم جدك.. أنت مكنتش لسه اتسجلت، ومكنش معانا مليم نطلعلك شهادة ميلاد ولا نعالجك من الصفرا اللي كانت واكلاك وقتها.. سيبناك عشان تعيش يا ابني".
​في اللحظة دي عرفت الحقيقة اللي تمنيت إني مسمعتهاش.. أنا مكنتش مجرد طفل "زيادة"، أنا كنت "غلطة" في الورق، وعشان يصلحوا الغلطة دي، رموني للقدر.. ودلوقتي راجعين ياخدوا حتة من جسمي عشان ينقذوا اللي "كان ليها ورق".
​فتحت باب المكتب وشاورت لهم لبره، وقلت
لهم جملة واحدة قبل ما أقفل الباب للأبد.. تفتكروا قلت لهم إيه؟
وقفت عند الباب، وجسمي كله بيترعش من القهر.. بصيت لأمي اللي كانت لسه ساجدة على الأرض بتعيط، ولأبويا اللي مش قادر يحط عينه في عيني.. كنت حاسس إن الكنيسة كلها بتلف بيا، والحيطان اللي كانت حامية لي ظهري السنين دي كلها بدأت تضيق عليا.
​بلعت ريقي وقلت لهم وصوتي طالع هادي لدرجة مرعبة:
"عارفين إيه الفرق بينكم وبين الست اللي ربتني؟ هي شافت فيّ إنسان ملوش ذنب، وإنتوا شوفتوا فيّ 'حسبة' ورق وخسارة ومكسب.. يوم ما سيبتوني، سيبتوني عشان خايفين من الفقر، والنهاردة راجعين عشان خايفين من الموت.. إنتوا طول عمركم بيحرككم الخوف، مش الحب".
​أمي حاولت تقرب من رجلي تاني وهي بتشهق: "يا ابني دي أختك، من دمك، هتهون عليك؟"
​بصيت لها وقلت لها الجملة اللي نهت كل حاجة:
"أنا ماليش دم.. أنتوا سيبتوني في الكنيسة يومها وأنا عندي أربع سنين، والدم اللي كان بيربطني بيكم جمد وناشف على الدكة الخشب دي من عشرين سنة.. اللي قدامكم ده (بقايا) الطفل اللي رميتوه، ومارغريت هي اللي جمعت البقايا دي
وعملت منها بني آدم.. روحوا دوروا على حل بعيد عني، لأن اللي يرمي ابنه وهو محتاج لقمة، ملوش حق يطلبه وهو محتاج حتة من كبده".
​أبويا حاول يتكلم، بس شاورت له يسكت.. فتحت الباب على آخره وقلت:
"اخرجوا.. اخرجوا من حياتي زي ما خرجتوا يومها، ومن غير سلام.. أنا مش هتبرع، مش عشان أنا قاسي، بس عشان مش هسمح لكم تستخدموني مرتين.. مرة عشان تفضوا جيوبكم من همي، ومرة عشان تملوا فراغ قلوبكم على حسابي.. الباب وراكم".
​خرجوا وهما بيجروا خيبتهم وراهم، وقفلت الباب.. قعدت على الأرض ودفنت راسي بين إيدي وعيطت.. عيطت على الطفل اللي كان مستني أمه ترجع تاخده، وعلى الراجل اللي اكتشف إن أهله مظهرش عندهم ضمير غير لما احتاجوا "مصلحة".
​مارغريت دخلت عليا بهدوء، حطت إيدها المرتعشة على كتفي ومن غير ما تسأل عرفت كل حاجة.. بصت لي وقالت: "عملت الصح يا ابني؟"
​بصيت لها ودموعي نازلة وقلت لها: "لأول مرة في حياتي يا مارغريت، أحس إني حر.. حتى لو الحرية دي طعمها مر زي العلقم".
​تمت.

 

كل هذه القصص مقتبسه من احداث اجنبيه اي لا تمثل اسلامنا ولا عروبتنا 

حكايات

صافي هاني 

تم نسخ الرابط