ام تبيع دبلتها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

بعت دبلتي عشان أدفع مصاريف جامعة ابني.. وفي يوم تخرجه، سلمني جواب كنت خايفة أفتحه.
​عمرى ما قولت لابني إزاي قدرت أدبر مبلغ حجز مكانه في الجامعة.
​مش الحقيقة كاملة على الأقل.
​قولت لـ "ياسين" إن عندي قرشين شايلاهم للزمن، وقولتله إني هتصرف.. ده اللي أي أم بتقوله لما تكون مش عايزة ولادها يبدأوا حياتهم وهما شايلين الهم.
​بس الحقيقة، إني اتخليت عن آخر حاجة كانت فاضلة لي من جوازي..
​دبلتي.
​ياسين كان جايب منحة، وكان مرتب أموره على قرض طلابي.. بس لسه كان فيه فجوة، مش مصاريف الأربع سنين، لا، مبلغ بسيط بس كان لازم يدفع قبل ما يسجل أصلاً.
​الرقم اللي بيحدد إذا كان الطالب هيدخل الكلية.. ولا مكانه يروح عليه.
​دخل عليا المطبخ وهو ماسك جواب القبول في إيد، وورقة المصاريف في الإيد

التانية.
​قال لي: "أنا اتقبلت يا ماما".
​رميت الفوطة من إيدي وحضنته حضن قوي لدرجة إنه ضحك وقال: "يا ماما مش عارف أتنفس!"
​بعدين ناولني الورقة التانية.
​ضحكته اختفت الأول، وضحكتي حصلتها فوراً.
​قال لي: "ممكن أرفض.. ممكن أدخل أي كلية هنا قريبة وتكون رخيصة".
​قلتله: "لأ طبعاً".
​"يا ماما بصي للرقم".
​"باصة وشايفة".
​"إحنا معندناش المبلغ ده".
​طبقت الورقة وقلتله: "هيكون عندنا".
​بص لي بذهول: "إزاي؟"
​قلتله: "قلت لك هصرفها.. سيبها على الله".
​بعد تلات أيام، كنت واقفة في محل صاغة، الأنوار القوية كانت محسساني بغربة وبرودة.
​الراجل اللي ورا الفاترينة رفع الدبلة بـ "جفت" صغير وبص لي: "متأكدة يا مدام؟"
​هزيت راسي.
​قال سعر معجبنيش، بس مع ذلك وافقت.
​مضيت على الوصل، أخدت الظرف،
وخرجت من غير الدبلة.
​الدبلة دي زمان كانت "وعد"، وبعدين بقت "عِشرة"، وفي الآخر "روتين"..
​لكن في اللحظة دي، اتحولت لحاجة تانية خالص..
​اتحولت لكرسي فاضي في مدرج جامعة، مكتوب عليه اسم ابني.
​فبعتها وأنا راضية.
​ياسين عمره ما سألني الفلوس دي جت منين.. يمكن كان واثق فيا، أو يمكن كان فاهم أكتر مما كنت أتخيل.
​السنين اللي بعدها عدت بمكالمات قصيرة وتطمنات هادية:
​"ماما، أنا شكلي شيلت مادة المحاسبة".
​"إنت بتقول كده كل تيرم".
​"المرة دي بجد والله".
​"إنت بتكلمني والنتيجة لسه مظهرتش، وده معناه إنك شاطر وقلقان بس.. اطمن".
​أو لما جاله تدريب في شركة كبيرة:
​"جالي التدريب يا ماما".
​"كنت عارفة إنك هتعملها".
​"كدابة، مكنتيش عارفة!"
​"والله كنت متأكدة".
​أو لما يكون مضغوط ومخبي:
​"
أكلت يا ياسين؟"
​"ده سؤالي أنا!"
​"أنا اللي سألت الأول".
​"خلاص، أكلت عيش وجبنة.. يعتبر أكل؟"
​الموضوع مكنش بس الدبلة.. الدبلة فتحت أول باب مقفول.
​بعدها جه الشغل الإضافي، والمصاريف اللي ضغطتها، وإن الواحد يستغنى عن أساسيات عشان هو يكمل.. وكنت بمثل قدامه إن مفيش حاجة صعبة.
​عمرى ما ندمت على التعب، اللي مكنتش أتحمله هو إنه يضطر يسيب حلمه بسببي.
​وجيه يوم التخرج.
​ياسين اختاروه يلقي كلمة الخريجين.. وقتها مخدتش الموضوع على أعصابي، قولت مجرد كلمة زي أي كلمة وبعدها يستلم الشهادة.
​الصبح بعت لي رسالة: "أوعي تتأخري".
رديت عليه: "أنا اللي مربياك، عيب تقول كده".
رد في ثانية: "واقعدي في الصفوف اللي قدام".
كتبتله: "بطل تؤمر".
قال لي: "تلميذك يا ست الكل".
​القاعة كانت مليانة.
. أهالي شايلة ورد، وبالونات، ومناديل للدموع.

تم نسخ الرابط