ام تبيع دبلتها حكايات صافي هاني
قعدت في المكان اللي قالي عليه وحاولت أحبس دموعي قبل ما الحفلة تبدأ.
الأسماء بدأت تتنده، وكنت بسقف لكل الناس اللي معرفهمش.
ولما ندهوا اسم "ياسين"، وقفت مع كل اللي وقفوا.
طلع على المسرح، استلم شهادته.. وبعدين راح ناحية الميكروفون عشان يلقي كلمته.
ده كان المتوقع والمخطط ليه، ومحدش منعه.
شكر الدكاترة، وشكر زمايله، وقال نكتة خلت القاعة كلها تضحك.
بعدين نبرة صوته اتغيرت.
قال: "فيه شخص واحد كمان لازم أشكره".
صدري ضاق ونفسي بدأ يتقطع.
بص لي مباشرة وقال: "ماما.. ممكن تطلعي هنا جنبي؟"
كل الرؤوس لفت وبصت عليا.
متحركتش في الأول.. هو بيكره لفت الأنظار، وأنا كمان، وهو عارف ده كويس.
بعدين قال بصوت أهدى: "عشان خاطري.. ارجوكِ".
قمت ووقفت.
على ما وصلت للمسرح كان وشي بيغلي من الخجل.
ياسين قابلني عند المنصة ومسك إيدي، وقال في الميكروفون:
"أنا عارف إن أمي بتكره المواقف دي، وأكيد هي دلوقتي شايطة مني، بس كان لازم أعمل كده وأنا واقف في المكان
الجملة دي هزتني قبل ما حتى أستوعب معناها.
بعدين ناولني جواب مطوي..
أول ما عرفت خط إيده، إيدي بدأت تترعش.
فتحت الجواب وإيدي بتترعش، والناس كلها ساكتة ومستنية.. بدأت أقرأ الكلام اللي كاتبه بخطه اللي حافظاه صم:
"أمي الغالية..
أنا عارف إنك فاكرة إنك خبيتي عليا سر الدبلة، بس أنا شفتك يومها وأنتِ خارجة من البيت ومخبيّة إيدك في طرحتك. رحت وراكي وشفتك وأنتِ واقفة قدام الصايغ، وشفت اللحظة اللي قلعتي فيها دبلتك وبعتيها عشان مستقبلي.
يومها حلفت إني مش بس هنجح، أنا هعوضك عن كل لحظة ضحيتي فيها براحتك عشاني. الجواب ده مش مجرد شكر، الجواب ده فيه وصل استلام.."
بصيت له باستغراب، راح مطلع من جيبه علبة صغيرة قطيفة، وفتحها قدام القاعة كلها.
جواها كانت دبلتي. هي هي، بنفس النقشة ونفس الخدوش البسيطة اللي كنت عارفاها.
ياسين كمل وهو ماسك الميكروفون وصوته بيقطع من التأثر:
"أنا اشتغلت تلات شغلانات مع الدراسة، وكنت
يا أمي، الشهادة دي بتاعتك أنتِ، والدبلة دي مكانها مكنش المفروض يتغير."
مسك إيدي ولبسهالي تاني قدام الكل، والقاعة انفجرت بالتصفيق.. مكنتش شايفة حاجة من دموعي، بس كنت حاسة بإن كل تعب السنين، وكل ليلة نمت فيها وأنا شايلة الهم، دابوا في لحظة واحدة وأنا شامة ريحة النجاح والبر اللي بجد.
رفعت راسي وبصيت له، مكنتش شايفة قدامي طالب خريج.. كنت شايفة "راجل" بجد، الراجل اللي الدبلة دي صلحته وطلعت أغلى ما عنده.
حضنته وسط الناس، والمرة دي مقلتش "مش عارفة أتنفس".. المرة دي كنت أنا اللي محتاجة حضنه عشان أصدق إن الحلم اتحقق، والوفا لسه موجود.
همست في ودنه وهو حاضني: "جبتها إزاي يا ياسين؟ دي كانت غالية أوي."
بص في عيني وابتسم وهو بيمسح دموعي بطرف كمه وقال: "اشتغلت في مطعم، واشتغلت في المكتبة، وكنت بجمع كل مليم من المنحة.. الصايغ
نزلنا من على المسرح وإيدي في إيده، والناس كلها بتبص لنا بفخر.. مكنتش حاسة بالخجل اللي كنت حاسة بيه في الأول، كنت حاسة إني ملكة لابسة تاج، مش مجرد دبلة قديمة.
لما روحنا البيت، عملت له الأكلة اللي بيحبها، وقعدنا ناكل في هدوء.. بصيت للدبلة في إيدي وقولتله: "عارف يا ياسين؟ الدبلة دي لما بعتها كانت عشان تفتحلك باب.. بس لما رجعتها لي، أنت فتحت لي طاقة نور في قلبي عمري ما هنسى طعمها".
باس إيدي وقالي: "يا ست الكل، إحنا عندنا في الإسلام الجنة تحت أقدام الأمهات، وأنا لو عشت عمري كله أبوس التراب اللي بتمشي عليه مش هوافيكي حقك.. الدبلة دي أمانة رجعت لصاحبتها، والشهادة دي هي أول خطوة في طريقي عشان أردهالك قصور وعز".
يومها نمت وأنا مرتاحة لأول مرة من سنين.. الدبلة رجعت مطرحها، وابني بقى راجل، والحمد
تمت...