لقاء الماضي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

كان خلاص هيعدي من جنب واحدة ملقحة في الشارع ومغمى عليها، ومكنش هياخد باله لولا إنه فجأة اتصدم لما عرفها.. والتوأم واقفين جنبها مرعوبين.
​صوت طفل صغير شق دوشة الزحمة وهو بيعيط:
"أبوس إيدك.. متسيبناش."
​عربية سوداء فخمة فرملت فجأة وصرخت في وسط الطريق الزحمة. ورا الدريكسيون كان "أدهم" - راجل أعمال عصامي وبني آدم معروف إنه دايماً رزين، مسيطر على أعصابه، ومنضبط بالثانية. بس في اللحظة دي، كل ده اتهز ووقع منه.
​عينه اتسمرت على الست اللي واقعة على الرصيف.. الدنيا كلها كأنها وقفت.
​لأنه عارفها كويس.. "سارة" - الست اللي سابها زمان ومشي ومن غير حتى ما يبص وراه.
​وبعدين خد باله من العيال.. توأم.
​كانوا واقفين جنبها بيبصوا له بنظرة قوية خلت صدره يضيق ونفسه يتكتم.. كان فيهم حاجة - حاجة واضحة زي الشمس - خلته

يتسمر في مكانه ومش عارف ينطق.
​صوت سرينة الإسعاف بدأ يعلى من بعيد، بس بالنسبة لـ "أدهم" كان حاسس إن الصوت جاي من كوكب تاني.. كل تركيزه كان مع وش "سارة" الباهت، اللي باين عليه شقى وتعب السنين.
​إزاي حالها وصل لكده؟
​آخر مرة شافها فيها جت قدام عينه زي البرق: مكتب بارد، قرار قاسي، ولما اختار طموحه وشغله وفضلهم على الحب.. وعدها إنه "هيكلمها بعدين" وعمره ما وفى بالوعد ده.
​ودلوقتي هي مرمية قدامه، فاقدة الوعي وبتحارب عشان تلم نَفَسها.
​المسعفين وصلوا وبدأوا يزقوا الناس.. "أدهم" قرب، بس فجأة الولد الصغير مسك في طرف بدلتُه وجز عليها.
​"متمشيش وتظلمنا تاني،" همس الصغير وهو بيعيط.
​والبنت الصغيرة كلبشت فيه وهي بتترعش من الخوف.
​الكلمتين دول وجعوه أكتر من أي عتاب أو لوم كان ممكن يسمعه.
​"مش هتحرك من هنا،
" قالها "أدهم" بصوت واطي وهادي.. وهو مش عارف بيقولها ليهم ولا بيطمن بيها نفسه.
​بس في سؤال واحد كان هيموته:
"العيال دول ولاد مين؟"
​وهم بيفعوا "سارة" على النقالة، المسعفين سألوا لو حد من قرايبها موجود.
​محدش رد.
​"أدهم" مترددش ثانية.. بص للسواق وقاله: "اطلع وراهم فوراً."
​مكش في أي منطق للي بيعمله، ولا ده شغل، دي كانت غريزة قوية حركته غصب عنه.
​في المستشفى، قعد "أدهم" على كرسي بارد في الطرقة والطفلين جنبه.
​البنت من كتر التعب، غلبها النوم وهي ساندة راسها على دراعه..
أدهم كان قاعد وعينه مش مفارقة باب العمليات، والولد الصغير "ياسين" قاعد جنبه، ضامم رجله لصدره وبيبص للأرض بكسرة نفس توجع القلب. أدهم حس بوجع في ضميره مكنش متخيله، فضل يسأل نفسه: "يا ترى السنين دي كلها كانت عايشة إزاي؟ والعيال دي.. العيال
دي ملامحهم مني، نسخة مصغرة من صورتي في المراية."
​قطع حبل أفكاره خروج الدكتور، أدهم قام بسرعة ونزل البنت بالراحة على الكرسي:
"طمني يا دكتور، هي كويسة؟"
​الدكتور نهج بأسى: "الحالة صعبة، عندها هبوط حاد وأنيميا حادة، وواضح إنها مكنتش بتاكل وبتحمل نفسها فوق طاقتها.. هي دخلت في غيبوبة إجهاد، ومحتاجين نقل دم فوراً وفصيلة دمها نادرة."
​أدهم من غير تفكير: "أنا فصيلتي زيها.. اسحب مني اللي أنت عايزه بس تقوم بالسلامة."
​وهو نايم على السرير والدم بيتحول منها ليه، كان بيبص لياسين اللي واقف ورا الزجاج بيراقب بذهول. بعد ساعة، الممرضة خرجت تبلغ أدهم إن سارة بدأت تفوق.
​دخل الأوضة بخطوات مهزوزة، كانت سارة فاتحة عينها بالعافية، أول ما شافته، ملامحها اتغيرت من التعب للخوف، حاولت تقوم وهي بتترعش:
"أنت.. أنت إيه اللي
جابك؟ عايز إيه مني تاني؟"

تم نسخ الرابط