لقاء الماضي حكايات صافي هاني
أدهم قرب منها وصوته مخنوق: "اهدي يا سارة، مكنتش أعرف إنك وصلتي لكده.. ولا كنت أعرف إن في.." سكت وبص للولاد اللي جريوا
سارة ضمتهم بقوة وبكت بحرقة: "مكنتش عايزة أعرفك، قولت أربي عيالي بلقمة حلال وبكرامة بعيد عن قسوتك.. أنت اخترت طريقك زمان يا أدهم، والنهاردة مالكش مكان وسطنا."
أدهم نزل على ركبته قدام السرير، ومسك إيدها اللي كانت زي التلج: "أنا غلطت، والشيطان عماني بالطموح والفلوس، بس ربنا حطني في طريقك النهاردة عشان يدينا فرصة تانية.. العيال دي ملهاش ذنب تعيش من غير أب، وأنتي مالكيش ذنب تشيلي الشيلة لوحدك."
بصت له بعين مليانة شك وعتاب: "والشغل؟ والمظاهر؟ والناس اللي كنت خايف يلبسوك عيلة في أول مشوارك؟"
رد بيقين لأول مرة في حياته: "كل ده تحت رجلي.. أنا هعوضكم عن كل ثانية وجع، ودي مش كلمة، ده عهد قدام ربنا."
في اللحظة
أدهم خده وعينه دمعت: "لا يا بطل، النور مش هيطفي تاني أبداً طول ما أنا عايش."
هل تفتكر سارة هتقدر تسامحه بسهولة بعد سنين الشقى، ولا أدهم لسه قدامه مشوار طويل عشان يثبت إنه اتغير فعلاً؟
عدت الأيام، وأدهم أصر إن سارة والولاد ميرجعوش بيتهم القديم تاني. نقلهم في شقة واسعة تطل على النيل، وجاب لها أكبر الدكاترة يتابعوا حالتها لحد ما بدأت تسترد صحتها، بس سارة كانت لسه "واقفة على البر".. بتتعامل معاه بحدود وبمنتهى الرسمية، كأنها خايفة تفتح له قلبها فيكسره تاني.
في ليلة، أدهم كان قاعد مع ياسين ونور بيساعدهم في المذاكرة، وضحكهم مالي المكان. سارة كانت واقفة في المطبخ بتعمل شاي وبتبص عليهم من بعيد، والدموع غلبتها. أدهم حس بيها، قام ودخل وراها المطبخ.
"لسه مش قادرة تسامحي يا سارة؟" سألها بصوت واطي ومحمل بالندم.
سارة مسحت دموعها بسرعة ولفت له: "المسامحة مش كلمة يا أدهم.. المسامحة يعني أمان، وأنا الأمان ده انعدم جوايا من يوم ما قفلت بابك في وشي وأنا محتاجة لك. أنت دلوقتي بتصرف فلوس، والفلوس سهلة.. بس هتجيب منين سنين الخوف اللي عشتها وأنا مش عارفة هأكلهم إيه بكرة؟"
أدهم قرب منها بصدق: "أنا عارف إن الفلوس متصلحش كسر القلب، وعارف إن الثقة بتبني في سنين وتتهد في ثانية. أنا مش طالب منك تنسي، أنا طالب تديني فرصة أثبت لك إني بقيت راجل تاني.. الراجل اللي يستاهلك ويستاهل الولاد دول."
طلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة، وفتحها.. كان فيها خاتم بسيط، بس قيمته في اللي قاله بعد كدة:
"أنا طلبت المأذون يجي بكرة.. مش عشان أفرض نفسي عليكي، لكن عشان الولاد يرفعوا راسهم باسمي، وعشان أقدر أقف قدام
سارة بصت للخاتم وبصت لولادها اللي كانوا بيضحكوا في الصالة، وحست لأول مرة إن الحمل اللي على كتافها بدأ يخف.
تاني يوم، المأذون جه، وأدهم كتب كتابه على سارة وسط فرحة العيال اللي مكنوش فاهمين قوي بس حاسين إن "عمو أدهم" بقى حتة منهم.
بعد ما المأذون مشي، أدهم مسك إيد سارة قدام الولاد وقالهم:
"من النهاردة، مفيش حد في الدنيا يقدر يمسكم بكلمة، والبيت ده مش هيعرف غير الفرح."
سارة ابتسمت ابتسامة خفيفة، كانت أول مرة تبتسم من سنين، وقالت له: "الطريق لسه طويل يا أدهم.. بس الخطوة دي خلتني أقدر أتنفس تاني."
ومن هنا بدأت حياة جديدة، أدهم اتعلم فيها إن الملياردير الحقيقي مش اللي معاه رصيد في البنك، لكن اللي عنده عيلة بتجري عليه أول ما يفتح
النهاية