قصه حزينه لطفل

لمحة نيوز


​الدكتور بص لأمي وقال بهدوء مخيف: "يا مدام، إحنا بلغنا النجدة، وفي محضر إهمال طبي وشروع في قتل غير عمد بيتفتح دلوقتي بناءً على شهادة التمريض وكلام الابن".
عصام حاول يتدخل بس أبويا وقفه بكلمة: "لو نطقت حرف كمان، هطلع بيك على القسم أرفق قضية التزوير اللي ساعدتها فيها".
​أمي بدأت تنهار وتمثل الضحية، بس المرة دي مفيش جمهور يصدق. أبويا مسك إيدي وقال لي: "حقك عليا يا بطل، سنين ضاعت مننا بسبب كدبها، بس مفيش حد هيقفل عليك باب عربية تاني وأنت بتتوجع".
​في اللحظة دي، عرفت إن الحقيقة كانت غالية قوي، بس كان لازم تطلع عشان أقدر أبدأ حياتي صح.
الحكاية مخلصتش عند خروج أبويا من الأوضة، بالعكس، دي كانت مجرد البداية.
​أمي حاولت تعمل آخر محاولة ليها، مالت على السرير وهي بتعيط بنشيج يقطع القلب وقالت: "يا حبيبي أنا عملت كل ده عشان أحميك، أبوك ده مكنش هيعرف يربيك، أنا اللي شلتك وشلت همك!".
​بصيت لها ونفسي مسدودة من كتر التمثيل، قولت لها بجمود: "أنتِ مشلتيش همي يا ماما،

أنتِ شيلتي هم المنظره قدام الناس، وشيلتي هم الشاحن بتاع سما أكتر ما شيلتي همي وأنا بقطع في نفسي من الوجع".
​في اللحظة دي، دخل ضابط شرطة ومعاه أمين شرطة، "تامر" الممرض كان واقف وراهم وبص لي بصه معناها "اطمن حقك جيه". الضابط بص لأمي وجوزها وقال بلهجة حازمة: "مطلوب أقوالكم في المحضر رقم ... إهمال طبي معرض لحياة قاصر للخطر، اتفضلوا معانا من غير شوشرة في المستشفى".
​عصام كان وشه بقى أصفر زي الليمونة، وبدأ يلملم نفسه وهو بيقول: "يا باشا أنا ماليش دعوة، دي أم وأدرى بابنها".. في ثانية كان بيبيعها عشان ينجد نفسه. أمي بصت له بصدمة، وكأن القناع اللي كانت لابساه هي كمان وقع وشافت حقيقة الراجل اللي اختارته يشاركها حياتها.
​أبويا قعد جنبي على طرف السرير، مسك إيدي بقوة وقال لي: "أنا مش هسيبك دقيقة واحدة تاني، المحامي بتاعي بره بيخلص إجراءات نقل حضانتك ليا، وبكرة الصبح هنمشي من هنا على بيتي.. بيتك أنت كمان".
​سما أختي كانت واقفة عند الباب، بتبص لنا وهي تايهة، الموبايل
اللي كان هيفصل شحن كان لسه في إيدها، بس المرة دي كانت قافلاه تماماً. قربت مني بخجل وقالت: "أنا آسفة يا أحمد.. أنا مكنتش فاهمة إنك بتموت بجد".
​رديت عليها وأنا مغمض عيني بتعب: "المشكلة يا سما إنكم مكنتوش عاوزين تفهموا".
​بعد يومين، خرجت من المستشفى، مش في عربية عصام اللي السنتر لوك بتاعها بيحبس الأنفاس، لكن في عربية أبويا. وبدل ما نقف قدام محل موبايلات، وقفنا قدام النيل.. خدت نفس عميق لأول مرة من سنين، وحسيت إن الوجع اللي كان في بطني وفي قلبي، بدأ أخيراً يدبل ويموت، وبدأت حكاية جديدة، أنا اللي بكتب كل حرف فيها.
​بعد ما الكل خرج، مكنش فاضل في الأوضة غيري أنا وأبويا. قعد جنبي وسحب كرسي، وبص لي بصه فيها ندم السنين كلها، وقال لي: "أنا مش هطلب منك تسامحني دلوقتي يا أحمد.. أنا بس عاوزك تديني فرصة أصلح اللي باظ".
​طلعت من المستشفى معاه، وفي الطريق، عدينا على نفس فرع "بي تيك" اللي أمي وقفت قدامه. بصيت للمكان وابتسمت بوجع؛ المكان اللي كان المفروض يكون نهايتي،
بقى هو السبب في بدايتي الجديدة.
​أبويا خدني على بيته، ولأول مرة أحس يعني إيه "بيت". مكنش فيه تمثيل، مكنش فيه "أنت طالع لأبوك" كأنها شتيمة، بالعكس، كان بيقولها لي وهو فخور: "أنت طالع لأبوك.. راجل واستحملت اللي مفيش جبل يستحمله".
​أمي وجوزها خدو حكم "مع إيقاف التنفيذ" بسبب الإهمال، بس الحكم الحقيقي كان "العزلة". الناس في منطقتنا عرفوا الحكاية، والوش اللي كانت بتجمّله سنين اتشوه للأبد. سما أختي بدأت تبعت لي رسايل كل يوم، بتحاول تصلح علاقتنا، وأنا قررت أديلها فرصة، بس بعيد عن بيت أمي.
​دلوقتي، بعد سنة من اليوم ده، أنا بقيت بدرس في الكلية اللي كان نفسي فيها، وعايش مع أبويا اللي عوضني عن كل لحظة خوف. عرفت إن "الزايدة" اللي انفجرت في جسمي، كانت هي اللي فجرت كل الكذب اللي كنت عايش فيه.
​الحياة ساعات بتوجعك وجع يخليك تفقد الوعي، بس لما بتفوق، بتكتشف إن الوجع ده كان "عملية تجميل" لروحك.. عشان تشوف مين بيحبك بجد، ومين كان مستعد يسيبك تموت عشان "شاحن موبايل"
.
​تمت الحكاية.

تم نسخ الرابط