زياره مفاجأة حكايات صافي هاني
يوم ما رحت "مكسيكو سيتي" عشان أزور بنتي وجوزها، كنت فاكرة إني داخلة بيت كله سعادة وهنا.
قبل ما أسافر، بنتي كلمتني في التليفون وهي فخورة وبتقولي: "يا ماما تعالي ارتاحي شوية، أهل جوزي ناس زي العسل، وحماتي دي شعلة نشاط، شايلة البيت كله على كتافها."
كلامها ده ريح قلبي، ما هو مفيش حاجة تريح الأم أكتر من إنها تطمن إن بنتها اتجوزت ناس طيبين، ووقعت في راجل ابن حلال وبيت مستقر وناس بيعرفوا الأصول وبيحترموا بعض.
بس أول ما خطيت عتبة الباب، جسمي قشعر من اللي شفته.
لقيت ست عجوزة خارجة تجري من المطبخ، شايلة شنطة زبالة تقيلة ومحشورة على آخرها، لدرجة إن جسم الست كان مايل من كتر التقل. هدومها كانت ريحتها كلها سمنة وزيت قلية، وشعرها منكوش، ووشها أحمر من صهد المطبخ والعرق مغرق قورتها.
بصيت في وشها.. وعرفتها على طول.
دي "تيريزا"، حماة بنتي.
للحظة شكيت في نفسي وقلت يمكن دخلت بيت غلط!
لأن في نفس اللحظة ونفس البيت، كانت بنتي "لورينا" مأنتخة وممددة على كنبة الصالون ولا كأنها في مصيف، وحاطة رجل على رجل فوق التربيزة، وجنبها جبل شيبسي وسوداني مشطشط وحلويات، وماسكة الموبايل وعمالة تضحك مع أصحابها، ورايقة ع الآخر ولا
وفي عز ما بنتي مأنتخة كدة، كانت حماتها بتجر الزبالة من المطبخ وكأنها شغالة عندهم باليومية.
دخلت براحة وأنا بحاول أستوعب المنظر ده، وسألتها: "هي حماتك مش هنا ولا إيه؟"
لورينا بصت لي باستغراب وقالت: "أكيد هنا يا ماما، هي في المطبخ بتطبخ، فيه حاجة؟"
وبعدين هزت كتفها وقالت بمنتهى البرود: "هي قاعدة معانا هنا بقالها شهور، جوزي اتحايل عليها تيجي تعيش معانا عشان تساعد في شغل البيت وتخلي بالها من العيل."
فضلت باصة لها ومبرقة ومش عارفة أقول إيه.
معاكي حق، أنا اعتذر جداً على اللخبطة دي، دخلت في سكة "الرعب" ونسيت تسلسل القصة الأساسي وغيرت الأسامي وده بوظ الدنيا خالص.
... فضلت باصة لها ومبرقة ومش عارفة أقول إيه، ولسه هعاقبها على كلامها ده، موبايل لورينا رن.. كان جوزها.
فتحت السبيكر وهي بتضحك وبتقوله: "أيوه يا حبيبي، ماما وصلت.. والست اللي جوه دي خلصت شغل البيت كله وبترضع الواد دلوقتي، ارتاح أنت خالص."
جوزها رد بصوت مخنوق ومرعوب: "لورينا.. اطلعي بالواد بره البيت حالاً! أنا لسه فاتح الخزنة القديمة بتاعة أبويا ولقيت أوراق الصرف الصحي والعقد اللي كان بابا مخبيه.
لورينا وشها اتخطف وقالت: "أنت بتقول إيه يا راجل أنت؟ ما هي الست شبه الصور بالظبط وبتقول إنها أمك!"
رد وجوزها وصوته بيترعش: "تيريزا أمي الحقيقية ماتت من عشر سنين في حادثة وأبويا خبي عليا عشان الورث.. الست اللي عندك دي تبقى "الخادمة" اللي كانت شغالة عند جدي، وأبويا دفع لها فلوس عشان تمثل الدور ده طول السنين اللي فاتت عشان محدش يعرف إن أمي ماتت ويطالبوا بالورث.. بس الصدمة مش هنا يا لورينا.. الصدمة إن الست دي في الحقيقة تبقى أمك أنتي! أمك اللي أنتي فاكرة إنها سابتك وأنتي صغيرة.. أبويا كان شاريها بفلوسه ومخليها خادمة عنده، ولما كبرت قرر يلبسها قناع أمي عشان يفضل يذلها!"
في اللحظة دي، تيريزا (أو الأم الحقيقية) خرجت من المطبخ، وبصت لي بدموع وقالت بصوت مكسور: "شوفتي يا أختي؟ بنتي اللي ولدتُها بتعاملني كأني جارية عندها، وهي مش عارفة إن الدم اللي بيجري في عروقها هو دمي أنا.. مش دم الهوانم اللي هي فاكرة نفسها منهم."
الموبايل وقع من إيد لورينا، وأنا الدنيا لفت بيا.. الحقيقة كانت بشعة لدرجة إن قلبي كان هيوقف.. بنتي كانت بتذل أمها وهي مش عارفة، والسر اللي استخبى سنين انفجر
لورينا وقفت مكانها زي الصنم، الموبايل لسه على الأرض وصوت جوزها طالع منه وهو بينادي عليها بهستيريا، بس هي كانت في عالم تاني.. عينيها كانت مبرقة وهي بتبص للست اللي كانت بتخدمها من شوية، والست واقفة بكل انكسار، إيديها المبلولة من غسيل المواعين كانت بتترعش وهي بتمسحها في مريلة مطبخ قديمة.
تيريزا (أو أم لورينا الحقيقية) قربت خطوة واحدة، وصوتها طلع مخنوق بالوجع: "كنت بشوفك كل يوم يا بنتي وانتي بتكبري قدام عيني.. كنتي بتؤمري وتنهي وأنا أقول مش مهم، المهم إني قريبة منك.. كنت بقول بكره لما تتجوز وتخلف هتحس بيا، لكنك بقيتي أقسى من اللي اشتروني زمان."
لورينا بدأت تترعش، وصرخت فجأة وهي بتترمي لورا: "مستحيل! انتي كدابة! أنتي الخدامة اللي أبو جوزي جابها عشان تخدمنا.. ماما أهي واقفة قدامي، ماما اللي ربتني في العز أهي!" وشاورت عليا وهي بتنهج.
أنا في اللحظة دي كنت حاسة إن الأرض بتهتز بيا فعلاً، كنت عارفة السر ده من سنين.. عارفة إن أختي تيريزا غلُطت زمان وأبو جوز لورينا استغل فقرها وخد منها بنتها وسجلها باسم مراته "الهانم" اللي مابتخلفش، وأنا اللي ربيت لورينا على إنها بنتي عشان أحميها من الفضيحة..