زياره مفاجأة حكايات صافي هاني
هيجمعهم في بيت واحد وتكون بنتها هي اللي بتذلها.
تيريزا بصت لي بعتاب يقطع القلب وقالت: "قولي لها يا "صفاء".. قولي لها الحقيقة اللي خبيناها سنين.. قولي لها إن الأكل اللي كانت بترميه في وشي وتقول لي مالح، كان ممزوج بدموعي لأني مش قادرة آخدها في حضني.. قولي لها إن الشيبسي والحلويات اللي مأنتخة بيهم، أنا اللي كنت بنزل أشتريهم بفلوس "السخرة" اللي جوزها بيديهالي عشان أجيب لها اللي نفسها فيه."
فجأة، تيريزا طلعت من جيبها سلسلة قديمة ومصدية، فيها صورة لورينا وهي لسه مولودة، وصورة تانية لتيريزا وهي شابة.. لورينا أول ما شافت السلسلة، رجليها شالتها ووقعت على الأرض وهي بتصرخ صرخة هزت حيطان البيت.. صرخة ندم ولا صرخة رعب من الحقيقة؟
أنا مكنتش قادرة أتحرك، كنت واقفة بين أختي اللي اتذلت وبنتي اللي بقت "جلادة" من غير ما تعرف.. وفي وسط السكوت المرعب ده، سمعنا صوت مفتاح الباب بيلف.. جوزها وصل، والحساب الحقيقي كان لسه هيبدأ.
دخل "كارلوس" البيت وهو بينهج، وشه كان شاحب كأنه طالع من قبر، وأول ما شاف المنظر اتصدم.. لورينا مرمية على الأرض بتصرخ، وتيريزا واقفة بدموعها، وأنا واقفة مشلولة مش قادرة أنطق بكلمة.
كارلوس بص لتيريزا بنظرة كلها ندم، وقرب منها وباس إيدها قدامنا وهو بيقول بصوت مكسور: "سامحيني يا أمي.. أنا كنت حاسس إن الحنية اللي في عينيكي دي
لورينا رفعت راسها وبصت لجوزها بذهول وقالت: "أنت كنت عارف؟ كنت عارف إنها مش أمك الحقيقية وساكت؟"
كارلوس صرخ فيها: "كنت فاكرها غريبة يا لورينا! لكن أنتي.. أنتي كنتي بتعامليها كأنها مالك حر! كنتي بتذليها وأنتي شايفة كبرها وضعفها!" وبعدين بصلي وقال بغل: "وإنتي يا حماتي.. إزاي قدرتي تخبي السر ده؟ إزاي سيبتي أختك تتذل في بيتي تحت رجلي بنتها وأنتي عارفة الحقيقة؟"
في اللحظة دي، تيريزا اتكلمت بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت، مسحت دموعها وبصت لنا كلنا وقالت: "محدش فيكم يسأل التاني ليه خبي.. السر مكنش في الورق اللي كارلوس لقاه، السر كان في "السم" اللي كارلوس وأبوه زرعوه في البيت ده."
بصينا لها باستغراب، كملت وهي بتبتسم ابتسامة باهتة: "أبوك يا كارلوس مكنش مخبيني عشان الورث بس، أبوك كان بيعاقبني لأني كنت عارفة إنه قتل "تيريزا" الحقيقية عشان يتجوز الهانم اللي لورينا اتسجلت باسمها.. ولما لورينا كبرت وبقت قاسية زيه، عرفت إن العقاب مكنش ليا أنا.. العقاب كان ليها هي، إنها تعيش عمرها كله تذل في أمها من غير ما تعرف، ولما تعرف.. تعيش بقية عمرها والوجع ده بياكل في قلبها."
لورينا حاولت تقوم تمسك إيد تيريزا وهي بتقول بصوت يقطع
تيريزا رجعت لورا ورفضت تلمسها، وقالت بجمود: "فات الأوان يا بنتي.. "الأم" ماتت في اليوم اللي خليتيني فيه أشيل زبالتك وأمسح بلاطك وأنا بصلك وأتمنى تمسحي دمعة واحدة من عيني.. أنا دلوقتى ماليش بنتي، أنا مجرد "الشغالة" اللي قررت تمشي وتسيب لكم البيت بذنوبه."
خرجت تيريزا من الباب وسابتنا في مرار ملوش أول من آخر.. لورينا فقدت عقلها وفضلت تصرخ باسم أمها، وكارلوس انهار من الحقيقة اللي عرفها عن أبوه.. وأنا؟ أنا فضلت واقفة مكاني، مكسورة بين حقيقة ضيعت أختي وقسوة ضيعت بنتي.
خرجت تيريزا وقفلت الباب وراها بهدوء مرعب، سابت وراها بيت كان فاكر نفسه عايش في عز، وهو في الحقيقة كان مبني على جثث وأسرار.
لورينا كانت لسه زاحفة على الأرض، بتحاول توصل للعتبة وهي بتشهق بكلام مش مفهوم: "يا ماما ارجعي.. والله كنت فاكرة.. والله ما كان قصدي.." بس صوتها كان بيضيع في صدى البيت الواسع.
كارلوس بص للورينا بنظرة قرف، نظرة أول مرة أشوفها في عيون راجل لمراته، وقام وقف بعيد عنها وقال بصوت خالي من أي مشاعر: "البيت ده خلاص مابقاش ينفع يتدخل.. الريحة اللي فيه مقتولة بالظلم يا لورينا. أنتي مش بس ذليتي أمك، أنتي ورثتي قسوة أبويا اللي قتل أمي الحقيقية.. إحنا الاتنين ضحايا ووجلادين في نفس الوقت."
بص لي كارلوس وكمل
خد مفاتيح عربيتة وخرج وساب لورينا مرمية، وسابني أنا واقفة في نص الصالة، حواليا بقايا الشيبسي والحلويات اللي كانت بنتي بتتسلى بيهم وهي بتتفرج على أمها وهي بتتهان.
فجأة لورينا سكتت عن الصراخ، وقامت وقفت، وبصت لي بوش ميت، مفيهوش أي تعبير، وقالت لي ببرود رعبني أكتر من صراخها: "مبسوطة يا ماما؟ ارتحتي لما خربتيلي بيتي بالسر بتاعك؟ كان هيحصل إيه لو فضلت فاكرة إنها مجرد شغالة؟ كنت هفضل سعيدة.. وهي كانت هتفضل قريبة مني.. لكن دلوقتي، أنا خسرت كل حاجة."
بصيت لبنتي بذهول.. مكنتش مصدقة إن لسه فيها الجبروت ده! مكنتش ندمانة على اللي عملته في أمها، كانت ندمانة إن "اللقطة" باظت والسر اتكشف.
في اللحظة دي عرفت إن الوجع مش بس في الحقيقة اللي عرفناها، الوجع الحقيقي إننا ربينا جيل مبيعرفش يفرق بين "الخدمة" وبين "العبودية"، جيل مستعد يدوس على أي حد عشان يفضل مأنتخ على الكنبة.
لميت شنطتي وأنا بجر رجلي، وخرجت من البيت وأنا مقررة إني مش هبص ورايا تاني.. رحت أدور على أختي تيريزا في شوارع مكسيكو، يمكن ألحق أطلب منها السماح قبل ما العمر يخلص، وأسيب لورينا في بيتها الفاضي.. البيت اللي ريحته بقت كلها "زيت وشحم وقهر"، بس المرة دي.