محفوؤه

رساله محفوره

لمحة نيوز

أنا جراح بالمعاش.. في ليلة متأخرة، جالي تليفون من زميل قديم وقالي بنتك اتنقلت الطوارئ فوراً.
وصلت المستشفى في عشر دقايق، أول ما دخلت زميلي بص لي وقالي لازم تشوف المنظر ده بعينك.
أول ما شفت ضهر بنتي أمل.. جسمي اتلج، واللي شفته في الأوضة دي خلى الدم يهرب من عروقي.. وحلفت إن جوز بنتي هيدفع التمن غالي أوي.
التليفون رن الساعة 1143 بالليل، وصوت اللي بيكلمني خلّى قلبي هيقف من قبل حتى ما أسمع بيقول إيه.
يا دكتور رفعت، تعالى على مستشفى القصر العيني حالاً، ده كان صوت دكتور عادل، جراح طوارئ وزميل عمري.. الموضوع يخص بنتك.
كنت سحبت مفاتيح العربية وأنا بسأله حصل إيه؟.
رد وهو متردد دخلت الطوارئ من 40 دقيقة.. إصابات شديدة في ضهرها، لازم تيجي تشوف بنفسك.
عشر دقايق وكنت بزيح باب الطوارئ، وداخل بنفس الترينج اللي كنت نايم بيه.. عادل قابلني قدام أوضة العمليات، ووشه كان مخطوف لدرجة عمري ما شفتها فيه طول سنين شغلنا مع بعض.
بنتي فين؟ أمل فين؟ سألته.
مردش.. اكتفى بإنه فتح لي الستارة.
بنتي كانت نايمة على وشها، متخدرة، وشعرها متبهدل وعرقان، وصوابعها بتترعش فوق الملاية.. قميص المستشفى كان مقصوص من الضهر.. في الأول افتكرت العلامات اللي على جلدها كدمات زرقاء.
بس بعدها استوعبت.. دي مش كدمات.
دي كانت كلمات.
في رسالة محفورة على ضهرها بخطوط دقيقة

ومقصودة.. الجرح لسه طري والدم باين في الحروف.. مش ضرب عشوائي، ولا خناقة.. ده شغل دقيق، ومنظم، وشخصي جداً.
قربت منها ورجلي مش شايلاني.
الكلام كان ممدود من الكتف للكتف
هو كذب عليك إنت كمان
اللحظة دي الدنيا سكتت.. مسمعتش صوت الأجهزة ولا النفس حتى.
وفجأة، لمحت حاجة تحت إيد أمل وهي بتترعش.. حتة قماش مقطوعة من قميص رجالي بدلة، وعليها دم.
كان مطرز عليها تلات حروف من خيط كحلي
د. خ. م.
حروف اسم جوزها دكتور خالد منير.
ولسه بمد إيدي عشان آخدها، أمل فتحت عينها فجأة.
بصت لي وهمست بابا.. اوعى تخليه يعرف إني لسه عايشة.
أنا كنت فاكر إني عرفت مين اللي عمل كده أول ما شفت الحروف دي.. بس كنت غلطان في حاجات كتير ليلتها.. والساعات اللي جاية هتطلّع سر مكنش حد فينا مستعد يواجهه أبداً.
قعدت على الكرسي اللي جنب السرير، راسي بتلف.. خالد؟ الدكتور الشاطر، جوز بنتي اللي كنت بعتبره ابني؟ معقول هو اللي عمل فيها كده؟
لسه هقوم عشان أكلم عادل ونشوف هنعمل إيه، لقيت أمل بتشد طرف كمي بضعف وبتقول بصوت يدوب مسموع القميص.. يا بابا.. القميص ده مش بتاعه.
استغربت جداً.. بتقولي إيه يا بنتي؟ الحروف دي حروف اسمه!
هزت راسها بالنفي وهي بتعيط من غير صوت هو كان لابسه.. بس القميص ده كان هدية من حد.. حد قاله يلبسه النهاردة عشان المفاجأة.. خالد اتخطف يا بابا.. اللي
عمل فيا كده كان عايزني أفتكر إنه خالد، وكان عايزه هو يشوفني وأنا بموت.
في اللحظة دي، تليفوني رن.. رقم غريب.
فتحت الخط وأنا إيدي بتترعش، جالي صوت هادي وبارد زي التلج
عجبتك الرسالة يا دكتور رفعت؟ أصل الحساب قديم أوي.. فاكر العملية اللي عملتها من عشر سنين؟ اللي قلت فيها إنك حاولت تنقذ المريض بس هو اللي مات؟
دمي جمد في عروقي.. دي عملية أنا فاكرها كويس، كانت قضية رأي عام وقتها.
الصوت كمل خالد دلوقتي معايا، مربوط في مكان لو بلغت البوليس، هبعتهولك حتت.. قدامك ساعة واحدة.. تيجي المشرحة القديمة لوحدك.. ومعاك ملف العملية الأصلي اللي إنت خبيته عن الكل.
بصيت لبنتي اللي بين الحيا والموت، وبصيت للحروف اللي على ضهرها.. أدركت إن اللعبة أكبر بكتير من مجرد جوز بنتها.. دي فواتير قديمة من الماضي، والنهاردة يوم التحصيل.
قمت وقفت، مسحت دموعي، ورجعت الجراح اللي مبيترعش له جفن.. المشرط اللي كان بينقذ أرواح، المرة دي هيستخدم عشان يخلص حساب قديم.
طلعت من الأوضة، وعادل سألني رايح فين يا رفعت؟
قلتله ومن غير ما أبص وراه رايح أجيب حق بنتي.. وأقفل ملف مكنش المفروض يتفتح.
نزلت ركبت عربيتي وأنا حاسس إن الشوارع كلها بتراقبني. وصلت المشرحة القديمة في أطراف القلعة، مكان مهجور ريحته لوحدها تقبض القلب. دخلت والمشرط في جيبي، والملف اللي هو عايزه في
إيدي التانية.
المكان كان ضلمة كحل، مفيش غير لمبة واحدة بتتهز في نص الصالة. وتحتها كان خالد مربوط في كرسي، وشه كله دم ومغمى عليه، ولابس قميص مقطوع منه الحتة اللي كانت مع أمل.
جيت في ميعادك يا دكتور.. طول عمرك دقيق.
الصوت جه من ورايا. لفيت ببطء، ولقيت واحد واقف في الظل، ماسك مسدس وموجهه لراسي. لما قرب من النور، عرفته.. ياسين! الممرض اللي كان شغال معايا زمان، واللي اترفد واتسجن بسببي لما اكتشفت إنه بيسرق أعضاء المرضى.
ياسين ضحك بمرارة فاكرني؟ لبستني المصيبة كلها وطلعت إنت البطل.. والنهاردة، بنتك هي اللي دفعت التمن بنفس المشرط اللي كنت بتعلمني بيه.
قلتله بصوت ثابت وأنا بقرب منه خطوة بخطوة أمل ملهاش ذنب يا ياسين.. والملف اللي إنت عاوزه أهو، بس سيب خالد يمشي.
رميت الملف على الأرض.. ياسين وطى بجسمه عشان ياخده، وفي اللحظة دي استغليت إنه اتشتت، وهجمت عليه بكل قوتي. المشرط اللي في إيدي كان أسرع من صباعه على الزناد. ضربته في كتفه، المسدس وقع، وفضلنا نتخانق على الأرض زي العساكر في معركة موت.
قدرت أسيطر عليه وأثبته، وبصيت في عينه وقلتله أنا جراح يا ياسين.. وعارف كويس أقطع فين عشان أخليك تعيش وتتعذب، مش تموت وترتاح.
فجأة، سمعت صوت كبسة رجلين بره.. البوليس!
عادل زميلي مسبنيش، كان مبلغهم ومتبعني عن طريق ال GPS بتاع الموبايل.
دخلوا
قبضوا على ياسين، والإسعاف فكت خالد اللي كان
تم نسخ الرابط