محفوؤه

رساله محفوره

لمحة نيوز

يدوب بيفوق. خالد بص لي وهو بيترعش وقال يا دكتور.. والله ما لمستها.. هو اللي عمل كل ده قدامي وأنا مربوط.
طبطبت على كتفه وقلتله عارف يا ابني.. أمل هي اللي أنقذتك.
رجعت المستشفى، دخلت لأمل الأوضة.. كانت فاقت وبدأت تتنفس طبيعي. مسكت إيدها وبوستها، وبصيت للرسالة اللي على ضهرها.. الحروف بدأت تلم، والجراح هتدبل مع الوقت، بس الدرس اللي اتعلمته الليلة دي هيفضل محفور في قلبي
الماضي مابيموتش.. هو بس بيستنى اللحظة اللي تفتكر فيها إنك نسيت، عشان يرجع ويخبط على بابك.
مر أسبوع على الليلة دي، بس الكوابيس لسه مابتسيبناش. خالد خرج من المستشفى بجروح سطحية، بس كرامته كراجل وكدكتور كانت في الأرض، مش قادر يبص في عين أمل من كتر الذنب إنه معرفش يحميها.
أنا كنت قاعد في مكتبي، بقلب في الملف الحقيقي اللي ياسين كان هيموت وياخده.. الملف اللي ياسين مكنش يعرف إني بدلت الورق اللي فيه قبل ما أروح له.
فتحت الدرج السري، وطلعت الورقة الأصلية لعملية الوزير من عشر سنين. الورقة دي فيها تقرير المعمل اللي بيثبت إن الوفاة مكنتش غلطة جراحية، ولا كانت بسبب سرقة أعضاء.. الوفاة كانت مسمومة بجرعة مخدرات زيادة، والوحيد اللي كان معاه مفتاح كابينة الأدوية ليلتها هو عادل.. زميل
عمري اللي بلغ البوليس وأنقذني!
فجأة، الباب خبط.
دخل عادل، شايل كوبايتين قهوة، وقعد قدامي بمنتهى الهدوء.
أمل بقت أحسن يا رفعت؟ سألني وهو بيبتسم ابتسامته الصافية اللي كنت بصدقها زمان.
بصيت له ورميت الورقة على المكتب. أمل بقت أحسن.. بس أنا اللي تعبان يا عادل. تعبان من اللعبة اللي لعبتها إنت وياسين سوا.
ابتسامة عادل اختفت، ملامحه اتحولت لجمود مرعب.
ياسين كان أداة يا رفعت.. غبي وفضحنا. كان فاكر إنه بينتقم لنفسه، مكنش يعرف إني بستخدمه عشان أجيبك للمشرحة وأخلص منك ومن الملف ده للأبد.
طلعت تليفوني من جيبي، وكان شغال تسجيل.
البوليس على الباب يا عادل. المرة دي أنا اللي بلغت، ومن غير GPS.
عادل قام وقف، عدل جاكتته وبص لي بنظرة أخيرة إنت جراح شاطر يا رفعت.. بس نسيت إن أحياناً الورم بيبقى في أعز أصحابك، ولازم يتشال بالمشرط قبل ما يسمم الجسم كله.
اتقبض على عادل، وانكشفت شبكة فساد كانت مدفونة بقالها سنين.
أمل وخالد سافروا عشان يبدأوا حياة جديدة بعيد عن الوجع ده، وأنا فضلت واقف قدام مرايتي، بلمس التجاعيد اللي في وشي وأقول لنفسي
الجروح اللي في الضهر بتوجع.. بس الطعنة اللي بتيجي من سندك هي اللي بتموّت.
خلصت الحكاية، بس الحذر هيفضل صاحي.. لأن الوحوش
الحقيقية مابتلبسش ماسكات، دي ساعات بتلبس بالطو أبيض وبتقعد تشرب معاك القهوة كل يوم بعد شهر من الحكاية دي، كنت فاكر إن الدنيا هديت. أمل وخالد في الغردقة بيحاولوا ينسوا، وعادل وياسين ورا القضبان بيقطعوا في بعض.
كنت قاعد في الصالة بالليل، والبيت هس.. مفيش غير صوت الساعة. فجأة سمعت خبط رزين على الباب. فتحت، لقيت المحامي بتاع عادل واقف ووشه مفسر.
دكتور رفعت.. عادل انتحر في زنزانته النهاردة الصبح.
الخبر نزل عليا زي الصاعقة. رغم كل اللي عمله، عادل كان حتة من عمري. المحامي كمل وهو بيمد إيده بظرف مقفول سابل ك دي، وقالي دي الأمانة اللي هتخليك تنام مرتاح.. أو ماتنامش خالص.
فتحت الظرف وإيدي بتترعش. كان فيه صورة قديمة لينا إحنا الاتنين يوم التخرج، وفي ضهرها مكتوب بخط إيده المهزوز
فاكر يا رفعت لما حلفت ليك إني هفضل أحميك لآخر يوم في عمري؟ أنا مقتلتش الوزير عشان الفلوس.. أنا قتلته لأنه كان معاه فيديو بيثبت إنك إنت اللي نسيت الفوطة جوه المريض اللي قبله. أنا شلت ذنبك يا صاحبي، وأمل دفعت تمن غلطتك إنت.. مش غلطتي.
وقعت الصورة من إيدي. جريت على أوضة المكتب، وطلعت ملفات قديمة كنت دافنها في أرشيفي الخاص. قلبت في ورق العملية اللي سبقت عملية الوزير..
وبصيت في تقرير الأشعة اللي كان مستخبي.
عيني زغللت.. الأشعة كانت واضحة. فوطة جراحية متروكة في التجويف البطني. والتوقيع اللي تحت العملية كان توقيعي أنا.
أنا اللي كنت ناسي.. أنا اللي غلطت.. وعادل بجد هو اللي دارى عليا، بس بطريقته القذرة. وياسين لما عرف الحقيقة، قرر يحرق قلب عادل في بنتي أمل عشان يوجعنا إحنا الاتنين.
الرسالة اللي كانت على ضهر بنتي هو كذب عليك إنت كمان.. مكنش قصده بيها خالد.. كان قصده عادل. كان بيحاول يقولي إن عادل مخبي عني الحقيقة المرة دي من سنين.
قعدت على الأرض وأنا بضحك بهستيريا.. الجراح العظيم، اللي قضا عمره بيصلح أجسام الناس، كان هو السبب في كل الخراب اللي حصل لبيته وبنته.
تليفوني رن.. كانت أمل.
رديت بصوت ميت أيوة يا حبيبتي.
قالتلي بفرحة بابا.. أنا وخالد قررنا نرجع القاهرة، وحشتنا أوي، وعايزين نفتح صفحة جديدة معاك.
بصيت للصورة اللي على الأرض، وللتقرير اللي كشف سري القديم، وقلت بصوت واطي
تنوروا يا بنتي.. بس خلي بالك.. الصفحات الجديدة ساعات بتبقى مكتوبة بدم قديم، والماضي مابيسيبش حد في حاله.. حتى لو كان دكتور.
حرقت الورقة، ووقفت قدام الشباك أراقب الفجر وهو بيطلع، وأنا عارف إن السر ده هينزل معايا القبر.. لأن الحقيقة
أحياناً بتبقى أمرّ من الموت نفسه.

تم نسخ الرابط