ألام تركت ابنها ليموت حكايات صافي هاني
الفصل الأول اليوم اللي سابوه فيه يروح من بين إيديها
بلاش دراما يا إيلينا، الواد شوية كحة وهيروق.
حماتي قالت الكلمة دي بمنتهى البرود وهي واقفة قدام المراية بتظبط البرنيطة بتاعتها المستفزة، وابني اللي لسه مكملش تلات أيام بينازع في حضني وبيموت عشان يتنفس.
ياسين مكنش بيكحه كحة عادية.. صدره الصغير كان بيطلع وينزل بصعوبة مرعبة، شفايفه بدأت تزرق، وضوافره لونها اتغير. وأنا؟ أنا كنت لسه طالعة من قيصري طوارئ بقالي ٧٢ ساعة، جسمي بيلتفت من الوجع ونزيف الولادة، ومش قادرة حتى أصلب طولي.
كنا في الفيلا اللي أبويا الله يرحمه سابهالي، هي ملكي قانوناً، بس من ساعة ما اتجوزت مارك، وأمه مدام دولت بتتعامل معاها كأنها ورثتها عن أهلها، وبتعاملني أنا كأني شغالة عندها.
متبدأيش نكد بقا، دولت زعقت فيا وهي بتزق إيدي من على قورة ياسين، أنا مربية أربعة طول بعرض، وعارفة يعني إيه شوية برد.
لفيت لمارك وأنا بترجاه يا مارك بص على ابنك، ده محتاج دكتور فوراً، محتاج طوارئ دلوقتي!
مارك مرفعش عينه حتى من على الشنطة اللي بيلمها ماما بتقول إنك مهيبرة، إنتي تعبانة من الولادة وبتكبري الموضوع على فاضي.
الواد بيزرق يا مارك!
قفل سستة الشنطة ببرود
اترجيتوا ميسيبنيش لوحدي مع ابني وهو في الحالة دي.. مطقش لي خبر. لا وده كمان طلع الفيزا الدهبية بتاعتي واداها لأمه!
قال لها بخنوع انبسطي يا ست الكل، هي هتبقى زي الفل لما نرجع.
باب الشقة اتقفل، وبعدها سمعت صوت التكات ورا بعض.. دولت قالت له يقفل عليا بالمفتاح من بره!
أول ما مشوا، جريت على الموبايل عشان أطلب الإسعاف.. الموبايل فصل شحن في إيدي.
قلبت البيت كله على شاحن.. مفيش. شواحن احتياطي؟ ممسوحة. الباور بانك؟ اختفى. مفاتيح العربية؟ مش موجودة.
الست دي كانت منظفة البيت من أي وسيلة تخليني أطلب مساعدة أو أخرج من هنا.
لما رجعت لياسين كان حاله يصعب على الكافر.. لونه بقى بنفسجي، مبيطلعش صوت، بيفرفر.
طلعت أجري حافية في عز البرد، شايلة ابني على صدري، وقعدت أخبط على باب جارتنا طنط مارثا لحد ما إيدي ورمت.
موبايلي الميت نور لحظة واحدة قبل ما يفصل خالص.. وراني صورة مارك لسه منزلها من المطار. هو وأمه ماسكين كاسات العصير وبيضحكوا.
التعليق أخيراً شوية هدوء وراحة بال.. نتقابل كمان أسبوع.
بعدها الموبايل مات تماماً.
طنط مارثا فتحت الباب، أول ما شافت ياسين اتصلت بالإسعاف
لما رفعت عينها وبصت لي، شفت في عينيها رعب عمري ما هنساه.
قالت لي بصوت واطي إيلينا.. الواد مبيتنفسش!
الفصل التاني حساب ملوش آخر
الدنيا اسودت في عيني، ومبقتش سامعة غير صوت صفارة الإسعاف وهي بتقطع سكون الليل. طنط مارثا مسبتوش لحظة، كانت بتعمله إنعاش بصباعينها الصغيرين على صدره اللي مكنش قد كف الإيد، وهي بتهمس بصلوات مسمعتهاش من كتر ضربات قلبي اللي كانت هتقف.
في المستشفى، الأجهزة كانت بتحاوط ياسين من كل ناحية، خراطيم وأسلاك في جسم مكملش أسبوع. الدكتور قالي بلهجة قاسية لو كنتِ اتأخرتي ١٠ دقائق كمان، كان زمانك بتحضري جنازته مش سبوعه.. نزلة شعبية حادة وقلبت بفشل تنفسي.
قعدت ٥ أيام قدام باب الحضانة، بنام على الكرسي الخشب، هدومي لسه بدم الولادة، ممعيش مليم، وموبايلي مقفول لأني مش طايقة أشوف صورهم وهم بيتدلعوا بفلوسي.
يوم الرجعة..
سمعت صوت مفاتيحهم في الباب. دخلوا البيت بضحك عالي، وشايلين شنط ماركات شانيل وديور اللي اشتروها بفيزتي. مارك كان لونه تان من شمس الهاواي، ودولت داخلة كأنها ملكة متوجة.
أول ما مارك دخل الصالة، تنّح.
بصلي باستغراب إيه ده؟ إنتي كنتِ بتنظفي البيت ولا إيه؟ وبعدين مبردتيش ليه على تليفوناتي؟
قمت وقفت ببرود مرعب، كنت خسيت النص، وعيني غارقة من كتر العياط.
حمد لله على السلامة.. اتبسطتوا بالكوكتيلات والغروب؟
دولت رمت الشنط على الأرض وقالت بقلة ذوق إيه يا بت التكشيرة دي؟ ده إحنا جايبين لك طقم دهب ينسيكي النكد.
طلعت ورقة من جيبي ورميتها في وش مارك. كانت تقرير المستشفى وصور ياسين وهو متوصل بجهاز التنفس الصناعي.
مارك وشه بقى زي الورقة البيضا ياسين؟ ماله ياسين؟
قلت له بصوت طالع من القبر ياسين كان بيموت وإنت بتقفل عليا الباب بالمفتاح عشان تروح تتبسط مع أمك.. ياسين عاش بمعجزة، بس إنت بالنسبة لي مِت من يوم ما سلمت لسانك للي عايزة تخرب بيتك.
دولت حاولت تتدخل يا حبيبي دي بتتدلع، أكيد الموضوع بسيط وهي...
قاطعتها بصرخة هزت الحيطان اخرسي خالص! البيت ده بيتي، والفيزا دي بتاعتي، والابن ده ابني.. والراجل اللي مبيعرفش يحمي مراته وابنه ملوش مكان وسطنا.
مارك بصلها وبصلي، شاف في عيني نظرة عمره ما شافها قبل