كشفةالمستور حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

يا بابا.. والنبي بلاش تخلي ده يحصل تاني..
كلمتين قالتهم بنتي اللي عندها 8 سنين وهي مستخبية في ركن الأوضة.. وقتها بس لما فتحت الباب وشفت مراتي واقفة قدامهم، عرفت إني كنت مغمي عيني عن بلاوي كان لازم أواجهها من زمان. الليلة دي، كل حاجة اتهدت في سكات.
البيت كان بقاله فترة متبدل، كأن فيه غمة، والسكوت اللي كان بيستقبلني ورا باب الشقة كان تقيل قوي، تقل ملوش علاقة ببيت المفروض إنه سكن وراحة وروتين ماشيين عليه عشان المنظر قدام الناس.
لما دخل إسكندر البيت ليلتها، متأخر كالعادة عن ميعاده، حس إن الهوا نفسه واقف، كأن الحيطان كتمة نفسها وبقالها ساعات مستنية كارثة تحصل. وقف مكانه من غير ما يحس، إيده لسه على الأكرة، وقلبه نقز لإن فيه غريزة جوايا قالتله إن كل اللي كان بيحاول يهرب منه ويشغل نفسه عنه، حصله خلاص وواقف قدامه.
وبعدين سمع الصوت.
صوت عيل صغير مهزوز، طالع من آخر الطرقة، صوت ضعيف ومكسور.
أبوس إيدك.. سيبنا في حالنا..
نغزة جت في صدره، لإنه عرف الصوت ده كويس قبل ما عقله يستوعب.. دي إيمان. وتحت صوتها، كان فيه صوت تاني أوطى شوية بس واضح زي الشمس.. صوت شهقات مكسورة.
عمر.
الباب اللي غير كل حاجة
إسكندر مشي براحة، مع إن دقات قلبه كانت بتسابق رجليه، كأنه بيحاول يشتري كام ثانية زيادة يوهم بيهم نفسه إنها خناقة عيال

أو حاجة بسيطة يقدر يلاقي لها مبرر، بدل ما يضطر يواجه الحقيقة اللي هتهد كل اللي بناه في البيت ده.
الطرقة كانت كأنها طولت، مضلمة ومش مريحة، وكل خطوة كانت بتبقى أتقل من اللي قبلها. لما وصل لأوضة العيال، لقى الباب موارب، حتة صغيرة مسربة نور للطرقة، ومخلية صوت إيمان وهي بتوشوش مسموع.
زق الباب بصباعه براحة قوي، كأنه خايف يكسر حاجة هي أصلاً مكسورة ومفيش أمل فيها. وفي اللحظة دي، الدنيا اتشقلبت.
إيمان كانت محشورة في ركن الأوضة، ضامة نفسها ومتبتة في عمر، وحاضناه بوجع وقوة متطلعش من طفلة في سنها ده أبداً. عينيها كانت مبرقة بزيادة، مش مجرد خوف، ده رعب كان بيتبني جواها على نار هادية وبقاله كتير.
اللبن كان غرقان في الأرض، طالع من إزازة مكسورة واقعة على جنبها، وريحة اللبن في الجو خلت مشهد عادي زي ده يتحول ل مسرح جريمة.
واللي كانت واقفة قدامهم.. كانت كريمة.
كانت كريمة واقفة ومدياهم ضهرها، ملامحها اللي كانت دايماً هادية وراسمة دور الأم المثالية قدام الناس، كانت متبدلة تماماً. إسكندر مشي خطوة كمان، وجسمه كله بيترعش من المنظر.. كانت ماسكة في إيدها حزام، ونفسها عالي وطالع بنهجة غريبة، كأنها كانت في معركة.
إيمان أول ما لمحت خيال أبوها، ملامحها اتغيرت من الرعب للرجاء، بس من غير ما تنطق ولا حرف، كأنها خايفة إن أي صوت يخلي
الوحش اللي قدامها يثور تاني. عمر كان دافن وشّه في كتف أخته، وجسمه الصغير بينتفض من كتر العياط المكتوم.
كريمة؟
نطق إسكندر اسمها بصوت واطي، كأنه مش مصدق إن دي هي هي الست اللي بيشاركها حياته.
لفت ببطء، وعينيها كانت باردة.. باردة لدرجة تخوف، مفيش فيها أي ذرة ندم أو لهفة أمومة. بصت له وقالت ببرود يقهر
أتأخرت ليه يا إسكندر؟ كان زمانك شفتهم وهم بيوقعوا اللبن ويوسخوا السجاد اللي لسه غسلاه.. كان زمانك عرفت إن الدلع ده هو اللي بوظهم.
إسكندر بص لإيدها، وبص لمنظر عياله اللي مرميين في الركن زي اليتامى، وحس بنار قايدة في صدره. السنين اللي قضاها وهو بيقنع نفسه إنها شديدة شوية أو بتهتم بالنظافة زيادة، كلها اتجمعت قدام عينه وبقت حقيقة واضحة زي الشمس. هو اللي سابهم ليها، هو اللي صدق المظاهر وكدّب إحساس عياله.
قرب من إيمان وعمر، وطى على الأرض وفتح دراعاته، وفي لحظة، العيال سابوا الركن واترموا في حضنه، وانفجروا في عياط هستيري كان محبوس بقالهم ساعات.. لا، بقالهم سنين.
بص لكريمة وهو ضاممهم بكل قوته وقالها بصوت هادي بس يخوف
اطلعي بره يا كريمة.. اطلعي بره البيت ده دلوقتي، ومش عايز أشوف وشك هنا تاني.
كريمة ضحكت ضحكة صفرا، وقعدت تسوي لبسها كأن مفيش حاجة حصلت
هترجع لي يا إسكندر.. أنت متعرفش تمشي بيت من غيري، ولا تعرف تعيش
من غير المظاهر اللي أنا عاملاهالك.
سابته وخرجت بكل برود، ورزعت الباب وراها، والرزعة دي كانت النهاية الحقيقية لكل حاجة. إسكندر فضل قاعد على الأرض، واللبن المكبوب بيلمس رجله، وعياله بيترعشوا في حضنه.. وقتها بس عرف إن أغلى حاجة في حياته كانت بتتدبح وهو بيتفرج، وقرر إن من الليلة دي، مفيش منظر في الدنيا أهم من إنه يرجع لعياله الأمان اللي سرقته أمهم.
مرت دقايق وهو لسه قاعد مكانه على الأرض، ضاممهم لدرجة إن عضم صدره وجعه، بس مكنش عايز يسيبهم، كأنه لو سابهم هيختفوا أو الوحش هيرجع تاني. عمر بدأ يهدا شوية، بس كان لسه بيشهق وهو ماسك في قميص أبوه كأنه طوق نجاة، وإيمان كانت ساكتة تماماً، بس رعشة إيدها فوق كتفه كانت بتقول اللي مقدرتش تقوله بلسانها.
إسكندر بص حواليه بتركيز لأول مرة.. خد باله من علامات زرقاء قديمة على دراع إيمان، كانت دايماً بتداريها بكم طويل وتقول وقعت في المدرسة. خد باله إن الأوضة اللي كان فاكرها جنة للأطفال، كانت بالنسبة ليهم زنزانة متزوقة.
أنا آسف..
قالها وهو بيبوس راس كل واحد فيهم، وصوته مخنوق بالدموع.
أنا آسف إني سبتكم.. أنا آسف إني كنت أعمى.
إيمان رفعت عينها وبصت له بكسرة توجع القلب
هي مش هتيجي تاني يا بابا؟ مش كدة؟ هي قالت إنك لو عرفت هتضربنا إحنا عشان بنبوظ البيت.
الكلمة نزلت على قلبه زي
السكينة.. كريمة مكنتش بس بتضرب، دي كانت
تم نسخ الرابط