كشفةالمستور حكايات صافي هاني
بتغسل دماغهم وتخوفهم منه هو كمان. كانت بتبني سد عالي بينه وبينهم عشان تفضل هي اللي مسيطرة.
قام وقف، وشال عمر على دراعه، وأخد إيمان في إيده التانية
محدش هيلمس شعرة منكم تاني طول ما أنا عايش.. قوموا معايا، هنغسل وشنا، ونلم هدومنا.. إحنا مش هنقعد في البيت ده ولا دقيقة واحدة كمان.
هنروح فين؟ سألت إيمان وهي لسه خايفة.
إسكندر بص لصورته مع كريمة اللي متعلقة في الطرقة، الصورة اللي كان شكلهم فيها العيلة المثالية، ومد إيده بكل غل شالها رماها في الأرض، الإزاز اتدغدغ ميت حتة.
هنروح في الحتة اللي نكون فيها بني آدمين يا بنتي.. مش مجرد ديكور في بيت نضيف.
خرج بيهم من باب الشقة، ومن غير ما يبص وراه، قفل الباب على السنين اللي ضاعت في الوهم، ونزل السلم وهو واخد عياله في حضنه، بيبدأوا ليلة جديدة.. ليلة مفيش فيها لبن مدلوق بوجع، ولا حزام، ولا تمثيل.. ليلة فيها بس ريحة الحرية، مهما كانت صعبة.
نزل بيهم السلم والدنيا كانت هسس، والليل كان غيم وسكون مريب. ركبوا العربية، وعمر نام فوراً من كتر التعب والنهنهة، أما إيمان فكانت قاعدة جنب إسكندر، عينيها مثبتة على الشارع، بتراقب فوانيس الطريق وهي بتجري، كأنها بتودع كابوس كانت عايشة فيه.
إسكندر كان بيسوق
وصلوا قدام بيت والدته ست الكل، الوحيدة اللي كانت دايماً بتقوله يا ابني مراتك دي قلبها حجر، وهو كان بيرد بإنها منظمة وبتحب البيت. خبط على الباب في وقت متأخر، وأول ما أمه فتحت وشافت منظر العيال ومنظر إسكندر، فهمت كل حاجة من غير ما ينطق ولا كلمة.
ادخل يا ضنايا.. ادخلوا يا حبايب ستي.
أول ما دخلوا، البيت كان دافي.. مش دفا الدفايات، دفا القلوب. أمه أخدت العيال، غسلتلهم وشهم ببراحة، وعملتلهم لقمة دافية بضحكة صافية، من غير ما تزعق عشان فتفوتة وقعت ولا كوباية اتحطت غلط. إسكندر كان مراقبهم من بعيد، وحس لأول مرة من سنين إن صدره بدأ يمتلي هوا بجد.
بعد ما العيال ناموا في أمان، إسكندر قعد مع أمه في الصالة.
أنا هطلقها يا أمي.. مش بس كدة، أنا هرفع عليها قضية وما هخليهاش تلمسهم تاني.
أمه طبطبت على إيده ده حقهم يا ابني.. العيال دي كانت بتدبل قدام عنينا وإحنا فاكرينهم بيكبروا. البيت اللي يتبني على الخوف يتهد أحسن.
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت بشكل مختلف. إسكندر صحي على
مسك موبايله، ولقى رسايل كتير من كريمة، بتهدده وبتقوله إنها هتفضحه قدام الناس وهيقولوا عليه إنه طفش بمراته. مسح الرسايل وعمل لها بلوك وهو مبتسم بمرارة.
بص لعياله وقال لنفسه الناس تولع.. المهم إن عيالي رجعوا يضحكوا تاني.
ومن الليلة دي، إسكندر بدأ يبني بيت جديد، ملوش علاقة بالديكور والمظاهر، بيت أساسه الحنية، والحيطان بتاعته بتسمع ضحك مش شهقات مكتومة. عرف إن الرجولة مش في التحكم، الرجولة في إنه يكون سند مش سجان.
وخلصت الحكاية بإن البيت اللي اتكسر بهدوء، كان لازم يتكسر عشان يبدأوا يعيشوا بجد.
بعد كام شهر، الدنيا بدأت تروق.. إسكندر نقل عياله مدرسة جديدة، بعيد عن أي حاجة تفكرهم بالأيام السوداء. إيمان بدأت ترجع لضحكتها القديمة، وبدأت تلبس نص كم وتلعب براحتها من غير ما تخبي دراعاتها، وعمر بقى ينام الليل كله من غير ما يقوم مفزوع بيدور على حضن أخته.
في يوم، وإسكندر راجع من الشغل، لقى إيمان قاعدة في الصالة ومعاها علوان ألوان وبتشخبط على لوحة كبيرة، واللبن كان محطوط جنبها في كوباية
البنت اتنفضت مكانها، وشها اصفرّ، وعينيها راحت على الباب برعب وهي بتترعش.. كانت مستنية العلقة أو التهزيق اللي متعودة عليه.
إسكندر دخل عليها براحة، نزل لمستواها على الأرض، وجاب فوطة وبدأ يمسح اللبن وهو بيضحك
ولا يهمك يا إيمي.. فداكي ألف سجادة، حصل خير يا حبيبتي، قومي هاتي كوباية غيرها.
إيمان بصت له بذهول، ودموعها نزلت بس المرة دي كانت دموع راحة.. رمت نفسها في حضنه وقالتله أنا بحبك قوي يا بابا.. شكراً إنك أنقذتنا.
في الوقت ده، كانت القضية خلصت، والمحكمة حكمت بحضانة كاملة لإسكندر بعد ما الجيران شهدوا باللي كانوا بيسمعوه، وبعد ما تقرير الطب النفسي أثبت اللي العيال مروا بيه. كريمة حاولت كتير ترجع، مش عشانهم، لكن عشان صورتها اللي اتهزت قدام المجتمع، بس إسكندر كان قفل الباب ده بالضبة والمفتاح.
بص إسكندر لعياله وهم بيلعبوا في الصالة، والبيت مكركب شوية، واللعب في كل حتة، والسجاد عليه بقع ألوان.. ضحك من قلبه وعرف إن ده هو البيت المثالي بجد. البيت اللي فيه حياة، مش البيت اللي كأنه صالة عرض في معرض موبيليا.
اتعلم إن أغلى منظر في الدنيا هو نظرة الأمان في عين ضناه، وإن الوجع لما بيتكسر
تمت.