غدر ابن وخزلانه
ويقول أنا آسف، أنا كنت أعمى، كنت فاكر إنها بتهزر، مكنتش فاكر إن الموضوع هيوصل لكده.
قمت وقفت وفتحت باب المكتب وقلت له
الاعتذار مش ليا، الاعتذار للي فضلت تطرز لك بدلة فرحك وهي فرحانة بيك، وأنت سمحت لواحدة غريبة تهينها قدامك وتكسر بخاطرها. ليلى مش هترجع تفتح لك بيتها غير لما تثبت إنك بقيت راجل بجد، مش مجرد عيل بيجري ورا واحدة بتضحك عليه بكلمتين.
جاسر خرج من المكتب وهو عارف إن الطريق لسه طويل. بدأ يشتغل في شركة شحن بمرتب بسيط، وبدأ يروح بيت أمه كل يوم، يقف قدام الباب، يسيب وردة أو كيس فاكهة ويمشي، من غير ما ينطق كلمة.
ليلى كانت بتشوفه من ورا الستارة ودموعها نازلة، بس كانت عارفة إن ده الدوا المر اللي كان لازم يشربه عشان يفوق.
بعد سنة كاملة، وفي عيد ميلاد ليلى، جاسر جه وخبط. لما فتحت له، موطاش يبوس إيدها وبس، ده ركع وباس رجليها قدامنا كلنا وقالها أنا دلوقتي بس عرفت قيمة الجزمة اللي كنتي بتمشي بيها في البيت يا أمي.
ليلى حضنته وعيطت، وأنا واقف بعيد، مبتسم وراضي.. لإن الخيانة فعلاً ساعات بتيجي في همسة، بس الرِجولة ما بتجيش غير لما الواحد يتربى من جديد، حتى لو كان الدرس غالي وتمنه فرح وشقة
جاسر رجع يعيش معانا في البيت، بس مش كابن مدلل زي الأول، لا، رجع كواحد عايز يغسل ذنبه. بقى هو اللي بيصحى بدري يجيب الطلبات، وهو اللي بيشيل الشنط عن أمه، وهو اللي بيحاول يضحكها بأي طريقة عشان ينسيها الكسرة اللي شافتها في ليلة العشا المشؤومة ديك.
وفي يوم، واحنا قاعدين بنتعشى، تليفونه رن. بص في الشاشة ووشه اتغير، كانت فانيسا.
بصيت له بطرف عيني وقلت له مش دي اللي كانت شايفة أمك زينة؟ رد شوفها عايزة إيه.
فتح السبيكر ببرود، وصوتها جه ناعم زي الحية جاسر حبيبي، وحشتني. أنا عرفت إن الأمور بدأت تتحسن عندك، وأنا بجد كنت غبية وضعت من إيدي حب عمري عشان شوية ضغوط.. خلينا نتقابل ونصلح اللي انكسر.
جاسر بص لأمه، وبعدين بص لي، وابتسم ابتسامة فيها ثقة أول مرة أشوفها في عينيه. رد عليها وقال
يا فانيسا، أنا فعلاً بدأت أتحسن، بس لسه ناقصني ديكور غالي قوي في حياتي.. وأنا حالياً بحاول أصالح الديكور ده عشان يرضى يخليني عايش في ضله. ف وفري مكالماتك دي لواحد يكون مش لاقي حد يحبه بجد.
وقفل السكة في وشها وعمل لها بلوك للأبد.
ليلى ضحكت من قلبها، وقامت بوسته من راسه. في اللحظة دي، عرفت إن ابني رجع لي بجد.
النهاردة جاسر فتح مشروع صغير بمجهوده، وخطب بنت حلال، مدرسة بسيطة، أول ما شافت ليلى، وطت باست إيدها وقالت لها البيت منور بيكي يا ست الكل.
وأنا، رأفت علام، بقيت بقعد في البلكونة وأنا بشرب القهوة مع ليلى، وبفتكر اليوم اللي عملت فيه المكالمة بتاعة موقف العربيات.. وبقول لنفسي إن أجدع قرار خدته في حياتي، هو إني خفيت الزينة عشان اللي بيحبها بجد يظهر، واللي بيحب فلوسها يختفي.
مرت السنين، وبقى يوم العشا ده مجرد حكاية بنحكيها عشان نفتكر إن ربنا سترها معانا وكشف لنا الحقيقة قبل فوات الأوان. جاسر اتجوز سارة البنت اللي اختارها بقلبه وعقله المرة دي، وعملنا فرح بسيط وراقي في جنينة بيتنا، ليلة كلها حب حقيقي مش مظاهر كدابة.
وفي ليلة الفرح، جاسر مسك الميكروفون وقدام كل المعازيم بص لأمه وقال
أنا النهاردة مش بس بحتفل بجوازي، أنا بحتفل بوجود السند الحقيقي في حياتي. الست اللي علمتني إن البيت مش حيطان، البيت حضن أم.. والراجل اللي علمني إن الكرامة أغلى من أي شيك يتكتب.
ليلى دمعت، بس المرة دي كانت
بعد شهور، عرفنا بالصدفة إن فانيسا اتجوزت راجل أعمال أكبر منها ب 30 سنة، وبعد شهرين بس رماها في الشارع لما اكتشف إنها كانت بتلعب بفلوسه من وراه، وبقت بتلف على المكاتب تدور على شغل وماحدش راضي يشغلها بسبب سمعتها.
وفي يوم، كنت بتمشى أنا وليلى في المول، وشفتها من بعيد. كانت واقفة قدام محل هدوم غالي، بتبص على فستان في الفترينة بحسرة، هدومها كانت باهتة ووشها مطفي. ليلى شافتها، ولقيتها بتطلع من شنطتها مبلغ وبتديه لعيل صغير بيبيع مناديل وقالت له روح اديه للست اللي واقفة هناك دي وقولها ده رزقك النهاردة.
بصيت ل ليلى باستغراب، ابتسمت وقالت لي أنا مش بديها هي يا رأفت، أنا بشكر ربنا إنه نور بصيرتنا، والصدقة دي بنية إن بيتنا يفضل مستور وعيالنا يفضلوا بارين بينا.
خدت ليلى من إيدها وكملنا طريقنا، وأنا متأكد إننا كسبنا الرهان. ابني بقى أب، وبيتعامل مع مراته بكل احترام، وبيربي ابنه الصغير على إن الأصل هو اللي بيبقى، وإن الدنيا سلف ودين، واللي بيزرع خير في أهله، بيحصد أمان في حياته.
قفلنا الصفحة دي للأبد، وفتحت صفحة جديدة عنوانها إن الزينة الحقيقية لأي بيت هي الرضا، والأدب، وكلمة يا