خناقة ميداليات حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

في عزومة "شوي" عند حماتي بمناسبة العيد، أخت جوزي رمت ميداليات بنتي اللي عندها 12 سنة في زبالة المطبخ، والسبب؟ عشان ابنها ميحسش إنه "قليل" جنبها.
​لقيت الميداليات مدفونة تحت أطباق ورقية مليانة زيت وقشر ذرة ومناديل غرقانة بصلصة المشويات.
​بنتي "ليلى" كانت واقفة جنب الباسكت وإيديها بتترعش. كانت لابسة الجاكيت الواسع اللي بتخليه للخروجات العائلية عشان تبان "بنت عادية" مش "بطلة رياضية" وتداري عضلاتها. في إيدها كان شريط ميدالية التتابع، ملزق ومتبهدل.
​همست لي: "يا ماما، والله ما اتمنظرت بيهم ولا فتحت بقي".
​لفيت ولقيت "نرمين"، أخت جوزي الكبيرة، ساندة على الرخامة وماسكة كوباية العصير في إيدها. مكنش باين عليها أي ندم، بالعكس، كانت ملامحها مرتاحة ومنتصرة.
​وقبل ما أنطق بكلمة، قالت ببرود: "قبل ما تعملي دراما وتكبري الموضوع، ابني ’عمر‘ حاسس إنه فاشل طول ما هي موجودة".
​"عمر" ابنها عنده 13 سنة، كان واقف بعيد باصص في الكوتشي بتاعه، وكان باين عليه إنه يتمنى الأرض تنشق وتبلعه من كسوفه من عمايل أمه.
​ليلى أصلاً مجابتش الميداليات دي إلا لما حماتي "الحاجة فوزية" طلبت من كل حفيد يجيب حاجة واحدة بيعتز بيها عشان "ترابيزة الإنجازات" اللي عاملاها. كان فيه صورة "عمر" وهو بيلعب كورة، وشهادة تقدير لابن عمها التاني، وكأس رقص لبنت خالتها، وميداليات

ليلى التلاتة. ليلى كانت مترددة وهي بتحطهم.
​جوزي "أحمد" سألها في العربية وإحنا جايين: "هم دول بس يا ليلى؟".
قالتله: "مش عايزة يبان إني بتمنظر عليهم يا بابا".
دي بنتي.. دايماً بتخاف على مشاعر الكل حتى على حساب فرحتها.
​دخلت "الحاجة فوزية" المطبخ وشافت الميدالية في إيد ليلى. لثانية واحدة، افتكرت إنها هتحن وتطبطب عليها وتعمل دور الجدة.
​لكنها اتنهدت وقالت: "ليلى شاطرة وموهوبة وتقدر تستحمل موقف بسيط زي ده.. لكن ’عمر‘ حساس، وهي لازم تتعلم التواضع وم تكسرش نفس ابن عمتها".
​المكان كله سكت.
​ليلى بصت للميدالية كأنها هي اللي غلطانة في حقها، وقالت جملة قطعت قلبي: "أنا مش هلعب رياضة تاني.. المسابقات بتخلي الناس تكرهني".
​نرمين لوت بوزها وقالت: "يا ساتر على الدراما!".
​وقفت بينهم وبصيت لنرمين بحدة: "كلمة تانية مع بنتي وهتزعلي".
​حماتي اتدخلت: "يا سارة، متكبريش الموضوع، محصلش حاجة لكل ده".
​رديت عليها: "واحدة ست شحطة ترمي ميداليات طفلة في الزبالة وتقوليلي متكبريش الموضوع؟ الموضوع كبير بأصلها الواطي ده".
​في اللحظة دي دخل "أحمد" جوزي من البلكونة.
كان هادي.. هادي لدرجة تخوف.
​بص لأخته "نرمين" وسألها: "إنتي رميتي ميداليات ليلى قاصدة؟".
نرمين رفعت مناخيرها في السماء وقالت: "أيوه، كان لازم حد يحمي مشاعر ابني".
​أحمد هز راسه مرة واحدة..
مش موافقة، لكن كأنه بيسجل الموقف.
​طلع موبايله، وخرج الشرفة، وكلم المحامي ومسؤول الأمن في "شاليه الساحل" بتاعنا.
​قال بصوت عالي ومسموع للكل: "غير لي كل كودات البيبان النهاردة.. البوابة، الأقفال، الشاليه كله. مفيش مخلوق من عيلتي يدخله غير سارة وليلى وأنا.. أي حد تاني يتقبض عليه بتهمة اقتحام".
​ورايا، نرمين وشها جاب ألوان ودمها هرب من جسمها.. وعرفت إن الدلع اللي كانت عايشة فيه في ملك أخوها طار في ثانية عشان خاطر "خاطر ابنها".
نرمين بدأت تترعش وصوتها طلع مهزوز: "أنت بتقطع صلة الرحم يا أحمد؟ عشان حتة حديدة رمتها؟ ده شاليه العيلة اللي بنقضي فيه كل صيف!"
​أحمد لف وبصلها بنظرة باردة وقال: "ده شاليهي أنا، بفلوسي أنا.. وكنت فاتحه ليكي ولعيالك بالمعروف، بس اللي يرمي مجهود بنتي في الزبالة ملوش مكان في ممتلكاتي.. والرحم اللي بتتكلمي عنها، إنتي اللي قطعتيها لما كسرني نفس طفلة عشان تداري على خيبة ابنك".
​حماتي "الحاجة فوزية" حاولت تتدخل وصوتها علي: "جرى إيه يا أحمد؟ هتطرد أختك وتصغرني قدام الناس عشان خاطر عيلة؟ اعتذر لأختك وبوس رأسها".
​أحمد بص لأمه وقال بأسف: "يا أمي، إنتي قولتي ليلى لازم تتعلم التواضع، وأنا هعلم العيلة كلها التواضع دلوقتي.. الشاليه اتمنع، والعربية اللي نرمين بتستخدمها من معرضي، السواق هيعدي ياخدها الصبح.. بما إننا
عيلة ’متواضعة‘، يبقى كل واحد يركب على قد حاله".
​نرمين بدأت تصوت وتلطم: "إنت عايز تخرب بيتي؟ جوزي هيطلقني لو عرف إن الامتيازات دي راحت!"
​أحمد ولا اتهز، قرب من بنته ليلى، وطى وباس راسها ومسح الميدالية بقميصه، وقالها بصوت عالي سمّع الكل: "اللي الميداليات دي بتضايقه، يغمض عينه.. واليومين اللي جايين يا ليلى، هنروح النادي ونقدم لك في البطولة الدولية اللي كنتي خايفة منها.. وميدالياتك الجاية مش هتتحط على ترابيزة وسط صور عادية، دي هيتعملها دولاب مخصوص في صدر بيتنا".
​بصيت لنرمين ولحماتي اللي كانوا واقفين زي التماثيل مش مصدقين إن "أحمد" الهادي عمل فيهم كدة.. سحبت بنتي من إيدها وقلت: "يلا يا حبيبتي، العزومة دي ريحتها بقت وحشة أوي".
​خرجنا وإحنا سامعين صوت خناقهم وصويت نرمين ورايا، وعرفت ساعتها إن اللي يجي على كرامة عيالي، ملوش مكان في حياتنا، حتى لو كان من دمّنا.
ركبنا العربية، وطول الطريق "أحمد" كان ساكت تماماً، بس ملامحه كانت حادة زي الموس. ليلى كانت حاضنة الميداليات في حجرها، بتبص للشوارع وسرحانة.
​بعد ساعة، تليفون أحمد ميسكتش.. رنات ورا رنات من أمه، ومن جوز أخته "نرمين"، ومن قرايب تانية كتير. أحمد قفل الموبايل خالص ورماه في درج العربية.
​بص لي وقال بكلمات قاطعة: "سارة، ليلى مش هتروح بيت عمتها ولا جدتها تاني.. اللي يهون عليه
كسر خاطر طفلة، مأمنش عليه في بيتي".

تم نسخ الرابط