خناقة ميداليات حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​تاني يوم الصبح، الباب خبط.. كانت "الحاجة فوزية" ومعاها "نرمين" ووشها وارم من العياط. أول ما فتحت، نرمين حاولت تدخل وهي بتعتذر: "أبوس إيديك يا أحمد، جوزي بهدلني لما عرف إن العربية اتسحبت، والشاليه ده كان هو اللي مخليه صابر على طلباتي.. أنا كنت بهزر، والله كنت بهزر!"
​أحمد وقف على الباب، مسمحلهمش حتى يخطوا خطوة جوه: "الهزار ده تكلفته غالية أوي يا نرمين.. الميداليات اللي رميتيها في الزبالة دي، ليلى كانت بتصحى الفجر تتمرن في البرد عشان تجيبها، وإنتي رمتي مجهود سنين في لحظة غل".
​حماتي قالت بلهجة فيها رجاء: "يا ابني عشان خاطري أنا، بلاش فضايح في العيلة، الناس هتاكل وشنا لما يعرفوا إنك طردت أختك من الشاليه وسحبت العربية".
​رد أحمد بكل هدوء: "والناس مكلتش وشكم ليه وهي شايفة بنتي بتعيط وميدالياتها في وسط قشر الذرة؟ بصي يا أمي.. ليلى أهم عندي من الشاليه، ومن العربية، ومن كلام الناس.. نرمين هترجع بيتها بالمواصلات، والشاليه هيتباع والفلوس هتتحط في حساب ليلى عشان دراستها في الخارج لما تكبر".
​نرمين صرخت: "بتبيع شاليه العيلة يا أحمد؟"
أحمد ابتسم ببرود: "لا، ببيع المكان اللي اتهانت فيه بنتي.. والمرة الجاية لما تحبي تعلمي حد ’التواضع‘، اتعلميه إنتي الأول وإنتي ماشية على رجلك".
​قفل
الباب في وشهم، وبص لليلى اللي كانت واقفة وراه وسمعت كل حاجة. شالها وباسها وقال: "من النهاردة مفيش حد يقدر يخليكي تحسي إنك أقل منه.. إنتي بطلة، واللي مش عاجبه، مكانه في الزبالة مع أطباق المشويات اللي رمت فيها ميدالياتك".
​من يومها، ليلى رجعت التمرين بروح تانية خالص.. وكل ما تبص لميدالياتها اللي بقت في برواز دهب في الصالة، بتفتكر إن ليها أب "سند" عرف يخلي اللي اتكبروا عليها.. يمشوا في الأرض "متواضعين" غصب عنهم.
بعد الكلمتين دول، الدنيا اتقلبت في العيلة. "أحمد" منفذش بس تهديده، ده نفذ حرفياً كل كلمة قالها. "نرمين" جوزها لما عرف إن "الحنفية" اتقفلت، وإن بريستيج "صهر رجل الأعمال" طار، قلب عليها وبقت حياتهم نكد في نكد، وكل يوم يذلها إنها بجهلها خسرتهم السند الوحيد.
​أما "عمر" ابنها، فالمفاجأة كانت منه هو. بعد أسبوع، جيه لليلى البيت لوحده، كان شايل في إيده علبة قطيفة صغيرة. وقف قدامها وهو باصص في الأرض وقالها: "ليلى، أنا أسف على اللي ماما عملته.. أنا عمري ما حسيت إنك أحسن مني، أنا كنت فخور بيكي، بس هي اللي كانت دايماً بتقولي إني فاشل جنبك".
​فتح العلبة، وطلع ميدالية قديمة بتاعته كان واخدها في المدرسة، وقالها: "دي أغلى حاجة عندي، خليها معاكي بدل اللي اتوسخوا، لحد ما تجيبي الذهب
في البطولة الجاية".
​ليلى في اللحظة دي عرفت إن الغل كان عند الكبار بس، وإن "نرمين" وحماتي مكنوش بيحمو "عمر"، دول كانوا بيدفنوا نقصهم هما فينا.
​مرت سنة، وليلى وقفت على منصة التتويج في البطولة الدولية، والذهب بيلمع على صدرها. "أحمد" كان واقف في المدرجات بيصورها وعينه بتلمع بالدموع. في اللحظة دي، الموبايل رن، كانت "الحاجة فوزية" بتحاول تكلمه عشان يرجع يفتح بيت أخته اللي اتخرب.
​أحمد بص للموبايل، وبعدين بص لليلى وهي بترفع علم مصر بكل فخر، وراح قفل الموبايل وحطه في جيبه.
​بص لي وابتسم وقال: "التواضع ده صفة الملوك يا سارة، بس الكرامة هي اللي بتصنع الملوك.. وبنتي النهاردة ملكة، والملوك مبيسمعوش صوت اللي رموهم في الزبالة".
​من يومها، اتقفلت الصفحة دي تماماً. ليلى كبرت وهي عارفة إن قيمتها مش في حديدة، قيمتها في ضهرها اللي مبيتنيش، وعيلة عرفت تختار بنتها فوق أي مصلحة وفوق أي صلة رحم "سامة".
عدت السنين، وبقت ليلى مش بس بطلة في الرياضة، دي بقت مهندسة ناجحة وشخصية تملأ مكانها.
​في يوم خطوبتها، البيت كان منور وصوت الضحك مالي المكان. "نرمين" وعيالها وحماتي كانوا موجودين، بس المرة دي دخلوا "بالعزومة" وعارفين مقامهم كويس. نرمين كانت قاعدة في ركن، مكسورة الجناح، لا قادرة تفتح بقها بكلمة
ولا قادرة تتمنظر، لأن كل اللي هي فيه دلوقتي كان بفضل "أحمد" اللي رقّ قلبه ورجع يمشيلها ماهية تعيش منها هي وعيالها بعد ما جوزها سابها، بس بشروطه.. "الاحترام قبل الأكل والشرب".
​أحمد وقف يلقي كلمة وسط الضيوف، وبص لليلى وقال:
"يا بنتي، من عشر سنين في يوم أنا فاكره كويس، كان فيه حد عايز يعلمك التواضع بالكسرة.. بس أنا النهاردة بشكر الموقف ده، لأنه علمني إن السند مش بالفلوس ولا بالقصور، السند إنك متسمحش لحد يطفي نور ضناك عشان يداري ضلمة نفسه."
​طلع من جيبه "الميدالية القديمة" اللي كانت نرمين رمتها في الزبالة، واللي أحمد كان محتفظ بيها طول السنين دي بعد ما نضفها ورممها.
​"الميدالية دي يا عريس، أغلى من الشبكة اللي إنت جايبها.. دي اللي عرفتنا مين معانا ومين علينا، دي اللي بنت الشخصية اللي إنت جاي تخطبها النهاردة."
​نرمين وطت راسها في الأرض، والدموع نزلت من عينها، مش ندم بس، لكن حسرة على السنين اللي ضيعتها في غل وحقد خلوها تبقى "ضيفة" غريبة في بيت أخوها اللي كان شايلها فوق راسه.
​ليلى قربت من أبوها، باست إيده وحضنته قدام الكل وقالتله: "إنت الميدالية الذهب الحقيقية في حياتي يا بابا."
​تمت القصة على إن الحق دايماً بيرجع لأصحابه، وإن اللي بيزرع جبر خاطر في ولاده، بيحصد ملوك مبيتهزوش
مهما كانت الريح قوية.

تم نسخ الرابط